لفت انتشار الأحذية الرياضية الوردية أو ذات اللون "الفوشيا" الانتباه بشكل واضح في ملاعب كأس العالم 2026 ، بعدما ارتداها عدد كبير من اللاعبين في مختلف المنتخبات، لتتحول إلى واحدة من أبرز الظواهر البصرية في البطولة.
ولم تعد الأحذية مجرد أداة رياضية وظيفية، بل تحولت إلى عنصر بصري يوازي القميص أهميةً في عصر يهتم فيه جمهور كرة القدم على الصورة التلفزيونية بقدر اهتمامه بمجريات المباراة نفسها. وحتى في المنتخب الألماني، ظهر نجوم مثل جمال موسيالا وجوشوا كيميش بأحذية وردية، في مؤشر على انتشار هذه الموجة.
وراء هذا التحول تقف اعتبارات تسويقية وتصميمية تتبناها كبرى شركات المعدات الرياضية. فاختيار الألوان الزاهية لا يتم بصورة عشوائية، بل يستند إلى دراسات تتعلق بوضوح اللاعب على أرض الملعب وتأثير المنتج بصرياً في البث التلفزيوني العالمي.
ولم يأتِ انتشار الأحذية الوردية في ملاعب مونديال 2026 من فراغ، إذ يُعدّ الوردي، ولا سيما بدرجاته الفوشية، من أبرز ألوان موسم ربيع وصيف 2026 في عالم الموضة، ما جعل شركات المعدات الرياضية تتبناه على نطاق واسع قبل البطولة.
وتسعى شركات مثل " أديداس " و"نايك" من خلال هذه الألوان إلى منح أحذيتها هوية بصرية مميزة يسهل التعرف عليها، فضلاً عن تعزيز حضور علاماتها التجارية أمام مئات الملايين من المشاهدين.
وهكذا، فإن ما يبدو للوهلة الأولى مجرد موضة عابرة، هو في الواقع نتيجة تخطيط تسويقي طويل الأمد. وقد تجلت هذه الظاهرة بوضوح منذ المباراة الافتتاحية للمونديال بين المكسيك وجنوب أفريقيا، حيث ظهر معظم اللاعبين تقريباً بأحذية وردية اللون، في مشهد عكس مدى هيمنة هذا التوجه البصري على ملاعب البطولة.
ارتبطت ألوان معدات كرة القدم تاريخياً بتطور تقنيات البث التلفزيوني. ففي عصر التلفزيون الأبيض والأسود، وحتى خلال السنوات الأولى للبث الملون، لم تكن ألوان الأحذية أو التجهيزات الرياضية تحظى بأهمية كبيرة.
لكن مع تطور تقنيات التصوير والبث عالي الدقة، تغيرت المعادلة. فالألوان القوية والفاقعة أصبحت أكثر قدرة على لفت الانتباه والظهور بوضوح في اللقطات السريعة والإعادات التلفزيونية.
وباتت شركات المعدات الرياضية تدرك أهمية العناصر التي يمكن للمشاهد تمييزها فوراً على الشاشة. وبذلك لم يعد اختيار لون الحذاء قراراً شخصياً فحسب، بل أصبح جزءاً من استراتيجية بصرية متكاملة ترتبط بكيفية ظهور اللاعب أمام الجمهور العالمي.
حتى أواخر القرن العشرين، كانت الأحذية السوداء تهيمن بشكل شبه كامل على ملاعب كرة القدم، ويرجع ذلك إلى طبيعة المواد المستخدمة آنذاك وسهولة صيانة الجلد الطبيعي.
ومع دخول المواد الصناعية الحديثة وتطور صناعة المعدات الرياضية ، بدأت الألوان تتسلل تدريجياً إلى الملاعب. وفي مطلع الألفية الجديدة تحولت الأحذية إلى مساحة للتعبير البصري والتسويق الرياضي، فظهرت ألوان الأزرق والأصفر والأخضر الفلوري، وصولاً إلى الوردي والفوشيا اللذين يطغيان اليوم على مشهد كرة القدم العالمية.
من مارادونا مرورا ببيكهام ورونالدو الظاهرة وصولا إلى زلاتان ابراهيموفيتش عكس هذا التحول مساراً أوسع شهدته اللعبة نفسها، التي لم تعد مجرد منافسة رياضية، بل أصبحت أيضاً منتجاً إعلامياً عالمياً تقوم جاذبيته على الصورة بقدر ما تقوم على الأداء.
فضل ليونيل ميسي لاعب الأرجنتين ألواناً أكثر هدوءاً، ,وهي الأبيض والأزرق السماوي المستوحى من ألوان منتخب بلادهصورة من: Ulrik Pedersen/NurPhoto/picture alliance
في مونديال 2026 ، برز عدد من النجوم وهم يرتدون الأحذية الوردية، من بينهم جمال موسيالا وعدد من لاعبي المنتخب الألماني الذين يجسدون جيلاً جديداً يتبنى الألوان الجريئة بوصفها جزءاً من الهوية الرياضية الحديثة.
وبدوره اختار هداف المنتخب المغربي إسماعيل صايباري اللعب والتوهج بحذاء وردي. كما يعد كريستيانو رونالدو من أبرز اللاعبين الذين ساهموا خلال السنوات الماضية في ترسيخ حضور الأحذية الملونة على الساحة العالمية، مستفيداً من تأثيره الإعلامي والشعبي الواسع.
في المقابل، يظل ليونيل ميسي استثناءً نسبياً في هذا المشهد. فالنجم الأرجنتيني فضل ألواناً أكثر هدوءاً، وهي الأبيض والأزرق السماوي المستوحى من ألوان منتخب بلاده، محافظاً بذلك على أسلوب بصري بسيط ينسجم مع شخصيته داخل الملعب.
وبين الأحذية الوردية والألوان الكلاسيكية، تكشف ملاعب كأس العالم عن تحول أعمق تعيشه كرة القدم الحديثة بانتقال اللعبة من مجرد منافسة رياضية إلى تجربة بصرية عالمية تتداخل فيها الرياضة والتسويق وصناعة الصورة.
المصدر:
DW