في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في عالم المنصات الرقمية، لم تعد المعارك الكبرى تُخاض فقط بين الدول والسياسة، بل أيضا بين حبة بطاطا غاضبة وحبة طماطم تتبادل معها اللكمات أمام ملايين المشاهدين. مقاطع قصيرة، عبثية، وأحيانا بلا أي معنى منطقي، لكنها تنجح بشكل مذهل في خطف الانتباه وإبقاء المستخدمين ملتصقين بالشاشة حتى النهاية.
هذا النوع من المحتوى، الذي تصنعه أدوات الذكاء الاصطناعي بسرعة هائلة، بات يثير أسئلة تتجاوز حدود الترفيه:
ويشير تقرير قناة الجزيرة الذي أعدته نسرين بدور، إلى أن السر لا يكمن في البطاطا أو الطماطم نفسها، بل في الطريقة التي يتفاعل بها الدماغ مع الأشياء غير المتوقعة. فعندما يشاهد الإنسان شيئا مألوفا يتصرف بطريقة غير منطقية، كأن تبكي البطاطا أو تصرخ، يدخل العقل في حالة من "كسر النمط"، وهي استجابة نفسية تدفع الدماغ للتوقف والانتباه لمحاولة تفسير المفاجأة.
وتستغل خوارزميات المنصات هذه الثواني الثمينة من التركيز، فتغرق المستخدم بسيل لا ينتهي من المقاطع الغريبة والعشوائية التي تبقيه في حالة ترقب مستمرة. ويشبه بعض موظفي شركات التقنية السابقين هذه الآلية بـ"ماكينات القمار"، التي تمنح الدماغ دفعات متكررة من الإثارة والدوبامين لإطالة وقت المشاهدة.
وبات هذا المحتوى يُعرف داخل أوساط التكنولوجيا باسم "قمامة الذكاء الاصطناعي"، في إشارة إلى الكم الهائل من المقاطع الرديئة أو العبثية التي تُنتج فقط لجذب الانتباه وتحقيق الأرباح الإعلانية، ضمن صناعة رقمية تُقدر بمليارات الدولارات.
وتشير تقديرات بحثية إلى أن نسبة كبيرة من المحتوى المتداول على المنصات الاجتماعية أصبحت مولدة بالذكاء الاصطناعي، فيما أعلنت شركة "تيك توك" سابقا أن أكثر من 1.3 مليار منشور على منصتها كان من إنتاج الذكاء الاصطناعي خلال فترة واحدة فقط، وهو رقم يعكس حجم الطوفان الرقمي المتسارع.
لكن القلق لا يتوقف عند حدود الترفيه أو إهدار الوقت، إذ يحذر التقرير من أن هذا الفيض من المحتوى العبثي قد يتحول إلى وسيلة لإغراق الفضاء الرقمي بالضجيج، بحيث تختفي وسطه القضايا الإنسانية والأخبار المهمة. فبدلا من حجب المحتوى الجاد بشكل مباشر، قد يكفي فقط إغراقه بكم هائل من المقاطع السطحية التي تبتلع انتباه الجمهور.
وفي عالم يختلط فيه الحقيقي بالمصطنع، تبدو معركة البطاطا والطماطم أكثر من مجرد مزحة رقمية عابرة، بل نموذجا لعصر جديد تتنافس فيه الخوارزميات على انتباه الإنسان، بينما تتراجع قدرته تدريجيا على التمييز بين ما يستحق المشاهدة وما يُصنع فقط لإبقائه أسيرا للشاشة.
المصدر:
الجزيرة