منذ القرن الثامن عشر، اتجهت الإمبراطورية الروسية للتوسع في كامل أراضي القوقاز بهدف تأمين حدودها الجنوبية وضمان سلامة إبحار سفنها بالبحر الأسود الذي هيمنت عليه الدولة العثمانية لقرون. من جهة ثانية، مثل القوقاز منطقة استراتيجية بالنسبة للروس حيث كان الأخير عبارة عن معبر يربط بين قارتي آسيا وأوروبا.
وبسبب ذلك، مثل القوقاز نقطة حيوية للإمبراطورية الروسية لزيادة نفوذها في أوروبا. ولتحقيق طموحهم بالسيطرة على القوقاز، اصطدم الروس بالشركس الذين مثلوا شعباً قطن مناطق جبلية بالشمال الغربي للقوقاز. وعلى الرغم من انقسام مجتمعهم إلى قبائل، تمسك الشركس باستقلالهم عن الإمبراطورية الروسية.
وخلال فترة حرب القوقاز التي استمرت ما بين عامي 1817 و1864 وأسفرت عن مقتل ملايين الأشخاص، قاوم الشركس بشدة الوجود الروسي. وخلال تلك الفترة، لجأت الإمبراطورية الروسية لتشييد الحصون وبناء الطرق نحو القوقاز بهدف نقل مزيد من القوات إليها وعزلها. كما عمد الروس لتشييد مستعمرات للقوزاق، الذين مثلوا مجموعة إثنية أرثوذكسية شرقية، في المنطقة تزامناً مع طرد القوقازيين. كما لم يتردد المسؤولون العسكريون الروس في إحراق عدد كبير من القرى القوقازية تزامناً مع إتلاف محاصيلها.
وفي المناطق الجبلية والغابات، واجهت القوات الروسية مصاعب كبيرة حيث تعرضت الأخيرة لغارات سريعة شنها المقاتلون القوقازيون وأسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.
من جانبهم، عبر المسؤولون العسكريون الروس عن قلقهم الشديد من الشركس طيلة فترة الحرب. وحينها، كان الشركس شعباً من المسلمين السنة.
وبسبب حروبهم المتكررة ضد الدولة العثمانية، تخوف الروس من الدور الذي قد يلعبه الشركس في حال تلقيهم لدعم عسكري عثماني بهذه الحروب. ولهذا السبب، توجه الروس نحو اتخاذ حل نهائي لمسألة الشركس خلال الفترة الأخيرة من حرب القوقاز.
ومع نهاية حرب القرم، اتجه الروس لنقل مزيد من القوات نحو الشمال الغربي للقوقاز. وبالتزامن مع ذلك، وضع كبار القادة العسكريين الروس خطة لمواجهة حرب العصابات التي شنها الشركس ضدهم وإنهاء وجود هذا الشعب في المنطقة نهائياً.
وقد تضمنت الخطة حينها تدمير القرى بشكل كامل وتنفيذ عمليات إعدام بحق الشركس وإجبارهم على الرحيل عن قراهم ضمن عمليات تهجير جماعية تزامناً مع تخريب كافة المحاصيل. وفي الأثناء، باشرت القوات الروسية تقدمها في السهول والغابات والجبال كما عمدت أيضاً لشن عمليات عسكرية سريعة هيمنت من خلالها على الشريط الساحلي المطل على البحر الأسود. وبسبب ذلك، حوصرت مناطق الشركس الذين فضلوا، غالباً، الرحيل عن قراهم والهرب قبل قدوم الروس.
وأسفرت عمليات التهجير عن تفشي المجاعة والأوبئة بصفوف الشركس الذين تجمعوا عند بعض النقاط في البحر الأسود في انتظار نقلهم نحو الأراضي العثمانية. وبالسفن التي نقلتهم، عانى الشركس من الأمراض والاكتظاظ الشديد وويلات الطقس السيئ. وبسبب ذلك، توفي العديد منهم أثناء العبور.
وبحلول العام 1864، تمكن الروس من سحق آخر جيوب المقاومة الشركسية. ويوم 21 مايو (أيار) 1864، أقامت القوات الروسية استعراضا عسكرياً هائلاً بالقرب من موقع سوتشي (Sochi) الحالي.
وأسفرت هذه العملية الروسية عن ترحيل ما يزيد عن مليون شركسي نحو الدولة العثمانية. فضلاً عن ذلك، قدر عدد القتلى الشركس بسبب المعارك والأوبئة بما بين 300 و500 ألف. وبحلول العام 1864، اختفى أكثر من 90 بالمائة من الشركس الذين قطنوا الشمال الغربي للقوقاز قبل الحرب.
المصدر:
العربيّة