لم تحمل أقدام زوار القارة السمراء معها سمفونية موسيقية وألواحًا إنسانية وأزياءً ملونة تنبض بالحياة فحسب، بل تكرمت السماء أيضا فهطلت الأمطار لتضيء شوارع المغرب ودروبه بمشهد أوروبي بعد سنوات عجاف.
في حضرة الوداع الجميل، ومع اقتراب الستار من أن يسدل، شهدت ملاعب المغرب قصة أفريقية نابضة، وتحولت المقاهي إلى برلمانات إفريقية مصغرة جمعت شعوب القارة تحت مظلة أثر ثقافي واحد، ينبض بالهوية والموسيقى واللغة والفرح المشترك.
وفي مشهد يمزج بين عراقة الماضي وحداثة الطموح، اختارت نساء مغربيات أن يداعبن الكرة أمام أشهر القلاع والمدن القديمة؛ ففي قلب “الأوداية” بالرباط، وبين جدرانها الزرقاء التي تعانق المحيط، أعلنت المرأة المغربية تصالحها التام مع جسدها ومع المستديرة، محولةً “الفريستايل” إلى إيقاعات جسدية ناعمة تفيض بالأنوثة والجمال أمام عراقة التاريخ.
في قلب المقاهي الشعبية وشوارع المغرب العتيقة، لم يعد المهاجرون مجرد عابري سبيل، بل أصبحوا شركاء في الأرض والانتماء فأبناؤهم نشأوا يتقنون “الدارجة” بطلاقة، محولين إياها إلى لغة هوية وانصهار في “فن العيش” المغربي.
هذا التعايش الصادق امتد إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث يوثقون لحظات انتمائهم، ناقلين للعالم كيف أصبح المغرب حضنا دافئا لأحلامهم وأهازيجهم التي توحد روح القارة السمراء بلسان مغربي ونبض إفريقي مشترك.
وحول ما صنعته الكرة الإفريقية في الذاكرة والوجدان، يرى الباحث في السياسات الرياضية، يوسف داعي، أن احتضان المغرب لكأس أمم إفريقيا يتجاوز بكثير مجرد التنافس على اللقب؛ فنحن أمام محطة مجتمعية كاشفة بامتياز. فلطالما كانت كرة القدم المرآة الأصدق لما يدور في عمق المجتمع، واليوم تمنحنا الملاعب فرصة لاكتشاف تحولات صامتة وعميقة لم ندرك حجمها إلا حين سلّطت عليها الأضواء القارية.
وقال الباحث المغربي، في تصريح لـ"العربية. نت"، إن المشهد الأكثر إثارة للإعجاب ليس في جودة الملاعب فحسب، بل في ذلك الجيل الجديد من الشباب الأفريقي المقيم بالمغرب، الذي أحدث لدينا نوعًا من "الدهشة الجميلة".
وأضاف: "لقد فوجئنا بشباب لم يعودوا مجرد ضيوف، بل أصبحوا يمتلكون ناصية الثقافة المغربية؛ يتحدثون الدارجة والأمازيغية بطلاقة، ويستخدمون شفراتنا الثقافية وفكاهتنا المحلية في الساحات والمدرجات بكل ثقة وأريحية".
ويختم الباحث تحليله بأن هذا التملك الثقافي العفوي هو الدليل الأقوى على قدرة المغرب على الاحتضان والاندماج. إن “الكان” فرصة ذكية لتقديم صورة حداثية للمغرب كفضاء لـ"التعايش الخلاق"، يثبت للعالم أنه ليس مجرد بلد عبور، بل وطنٌ استقر فيه النبض الإفريقي وتوحد مع اللسان المغربي في ملحمة إنسانية واحدة.
المصدر:
العربيّة