آخر الأخبار

الرقائق بدل النفط.. كيف تحولت أشباه الموصلات إلى مركز القوة العالمية؟

شارك

قد لا يتجاوز قطر رقاقة السليكون المستخدمة في صناعة أشباه الموصلات 12 بوصة، لكنها تتحكم في مسار الاقتصاد العالمي، وتحدد موازين القوة، بل وتدخل في صميم الحروب الحديثة. فلم تعد هذه التكنولوجيا مجرد مكون داخل الأجهزة، بل أصبحت أصلا إستراتيجيا يعيد تشكيل النظام العالمي.

وقد لخص كريس ميلر هذا التحول في كتابه "حرب الرقائق" (Chip War: The Fight for the World’s Most Critical Technology) واصفا أشباه الموصلات بأنها "النفط الجديد والمورد النادر الذي يعتمد عليه العالم الحديث". ولم يعد هذا التصور نظريا، بل واقعا جيوسياسيا يتجلى في سباق الدول للسيطرة على تصميم وتصنيع الرقائق.

ولعقود، تركزت هذه الصناعة في مراكز محدودة، وعلى رأسها تايوان، ما جعل سلاسل الإمداد العالمية عرضة للمخاطر مع تصاعد التوترات، واليوم، تتجه دول عدة إلى بناء ما يعرف بـ"مصانع رقائق سيادية" لتقليل الاعتماد الخارجي.

وفي هذا السياق، تدخل دول الخليج، مثل السعودية والإمارات وقطر هذا السباق ضمن مساعيها لتنويع اقتصاداتها وتعزيز استقلالها التكنولوجي، لكن الطريق إلى ذلك يمر عبر تحديات معقدة تتجاوز التمويل إلى البنية التحتية والخبرة الصناعية المتراكمة.

مصدر الصورة صناعة أشباه الموصلات العالمية تعتمد على سلاسل إمداد هشة تمتد إلى مناطق حساسة جيوسياسيا (بيكسابي)

هشاشة السلاسل العالمية

هذا التوجه لا يأتي من فراغ، بل يتغذى على هشاشة متزايدة في سلاسل إمداد أشباه الموصلات العالمية التي لم تعد محصورة في شرق آسيا فقط، بل تمتد جذورها إلى مناطق حساسة جيوسياسيا مثل الشرق الأوسط.

فحتى الدول الصناعية الكبرى، مثل كوريا الجنوبية، التي تنتج نحو ثلثي رقائق الذاكرة عالميا عبر شركات مثل "سامسونغ إلكترونيكس" و"إس كاي هاينيكس"، تعتمد بشكل ملحوظ على تدفق مواد حيوية من الخارج. ومن هذه المواد يبرز الهيليوم كعنصر أساسي لا غنى عنه في تصنيع الرقائق.

إعلان

ويكتسب هذا الاعتماد بعدا أكثر حساسية مع تمركز جزء كبير من إنتاج الهيليوم عالميا في دول الخليج، وعلى رأسها قطر، ما يجعل أي اضطراب إقليمي -سواء كان أمنيا أو لوجستيا- قادرا على إحداث تأثير متسلسل عبر الصناعة بأكملها.

ولا يتوقف الأمر عند المواد الخام، إذ تمر نسبة كبيرة من شحنات الطاقة والبتروكيماويات عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ما يجعل استقرار هذا المسار عنصرا حاسما في استقرار صناعة الرقائق نفسها.

وبذلك، تصبح محاولات بناء "مصانع رقائق سيادية" ليست مجرد مشاريع صناعية، بل استجابة مباشرة لهشاشة نظام عالمي مترابط.

الخليج يدخل السباق

في مقابل هذه الهشاشة، تسعى دول الخليج إلى تحويل موقعها من مجرد مستهلك للتكنولوجيا إلى لاعب في إنتاجها، مدفوعة بتسارع الطلب العالمي على رقائق الذكاء الاصطناعي، التي تعتمد عليها الشركات الأمريكية الكبرى مثل "ميتا" و"غوغل" و" مايكروسوفت" في تطوير نماذجها المتقدمة، خاصة مع الاعتماد المتزايد على وحدات معالجة الرسومات "جي بي يو" (GPU).

كما تتماشى هذه التحولات مع إستراتيجيات أوسع لتنويع الاقتصاد، مثل "رؤية السعودية 2030″، التي تراهن على الصناعات المتقدمة لتقليل الاعتماد على النفط.

وتظهر تقديرات صادرة عن شركة أبحاث السوق "مارك آند سبارك سوليوشنز" أن سوق أشباه الموصلات في السعودية بلغ نحو 4.3 مليارات دولار في عام 2024، مع توقعات بنموه إلى أكثر من 6.2 مليارات دولار بحلول عام 2030، مدفوعا بالتوسع في قطاعات مثل الاتصالات والطاقة والدفاع والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء.

مصدر الصورة دول الخليج تسعى إلى الانتقال من مستهلك للتكنولوجيا إلى لاعب في إنتاجها (بيكسلز)

وفي هذا الإطار، تعمل السعودية على بناء مركز وطني لأشباه الموصلات لجذب شركات تصميم الرقائق، مع خطط لاستقطاب عشرات الشركات وتدريب آلاف المهندسين بحلول نهاية العقد، في محاولة لبناء قاعدة بشرية وتقنية تدعم هذا التوجه.

وتراهن الرياض على هذا المسار لبناء موقع لها ضمن سلاسل القيمة العالمية، عبر جذب شركات كبرى مثل "إنتل" و"كوالكوم"، إلى جانب توسيع الشراكات مع لاعبين عالميين مثل "سامسونغ إلكترونيكس" و"إنفيديا".

ولا يقتصر هذا التوجه على الاستهلاك، بل يمتد إلى بناء قدرات محلية في التصميم والتصنيع، مستفيدة من وفرة الطاقة -وهي عنصر حاسم في تشغيل مصانع الرقائق كثيفة الاستهلاك للكهرباء- إلى جانب السعي لبناء منظومات بحث وتطوير وشراكات دولية.

ومع ذلك، فإن هذا الطموح يتقاطع مع تحولات جيوسياسية أوسع، بما في ذلك القيود المفروضة على تصدير التقنيات المتقدمة، ما يدفع دول المنطقة إلى تسريع جهودها لتحقيق قدر أكبر من الاستقلال في هذا المجال، بدل الاكتفاء بدور المستهلك.

هل هذا الطموح واقعي؟

لكن السؤال الذي يطرح اليوم هو: إلى أي مدى يمكن ترجمة هذه الطموحات إلى واقع صناعي فعلي، في منطقة لم تكن تاريخيا ضمن المراكز الأساسية لصناعة أشباه الموصلات؟.

من حيث الفرص، تستفيد دول الشرق الأوسط من تحولات عالمية تدفع نحو تنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على مراكز تقليدية مثل تايوان، خاصة في ظل التوترات بين الولايات المتحدة والصين. إلى جانب الطلب المتسارع على رقائق الذكاء الاصطناعي الذي يفتح الباب أمام لاعبين جدد في السوق في مجالات مثل التصميم والتجميع والخدمات.

إعلان

لكن في المقابل، تكشف خبرة الصناعة عالميا أن هذا القطاع شديد التعقيد حتى في مراكزه الراسخة، إذ تشير تقديرات إلى أن استثمارات أشباه الموصلات عالميا قد تقترب من تريليون دولار بحلول عام 2030، دون أن يعني ذلك بالضرورة حل مشكلاته البنيوية.

فالتحديات تشمل ارتفاع التكاليف، ونقص الكفاءات المتخصصة، وتعقيد سلاسل الإمداد، إضافة إلى تركز المواد الخام والقدرات التصنيعية في عدد محدود من الدول؛ وهو ما يعكس أن التحدي ليس محليا أو إقليميا فقط، بل جزء من طبيعة الصناعة نفسها.

وبحسب تقديرات صادرة عن منصة "إنفستوبيديا" (Investopia)، فإن بناء مصنع متقدم لأشباه الموصلات يتطلب استثمارات قد تتراوح بين 15 و20 مليار دولار للمصنع الواحد، ضمن منظومة أوسع تشمل البحث والتطوير والتصميم والتغليف والاختبار، وهي سلسلة قيمة شديدة التعقيد تطورت على مدى عقود في مراكز صناعية محدودة عالميا.

ولا يقتصر التحدي على التمويل، بل يمتد إلى رأس المال البشري، إذ تعتمد الصناعة على مهارات تقنية عالية يصعب تطويرها بسرعة، ما يفرض الحاجة إلى استقطاب خبرات من وادي السيليكون أو شرق آسيا، في وقت تعاني فيه حتى الدول المتقدمة من نقص في المهندسين المتخصصين.

كما أن مصانع الرقائق تستهلك كميات هائلة من الطاقة والمياه فائقة النقاء، وهو ما يشكل تحديا إضافيا في بيئات تعاني من شح الموارد المائية، خاصة في دول الخليج التي تعتمد بشكل كبير على تحلية المياه كثيفة الاستهلاك للطاقة، فعلى سبيل المثال، يتطلب إنتاج شريحة واحدة من الحواسيب ما بين 8 إلى 10 غالونات من الماء، بينما يحتاج مصنع رقائق واحد إلى ملايين الغالونات يوميا.

مصدر الصورة وراء طموح تصنيع الرقائق، تظهر تحديات بنيوية تشمل رأس المال البشري، وكثافة استهلاك الموارد، وتعقيدات سلاسل الإمداد والقيود الجيوسياسية (بيكسابي)

إلى جانب ذلك، تبرز عقبة المعدات والمواد الكيميائية عالية النقاء، التي يصعب تغيير مورديها بسبب معايير الجودة الصارمة.

ويزيد من تعقيد هذا المشهد البعد الجيوسياسي، إذ تؤدي القيود المفروضة على تصدير التقنيات المتقدمة إلى الحد من قدرة الدول الناشئة على الوصول إلى بعض المكونات الحيوية، خاصة في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي.

في النهاية، لا يبدو أن السؤال يتعلق فقط بقدرة دول جديدة على الاستثمار في صناعة أشباه الموصلات، بل بمدى إمكانية تفكيك وإعادة بناء منظومة صناعية تشكلت عبر عقود من التراكم المعرفي وسلاسل الإمداد المعقدة.

ففكرة "المعامل السيادية" تبدو جذابة سياسيا، لكنها تصطدم بطبيعة صناعة لا تُختزل في بناء مصانع أو ضخ استثمارات، بل في منظومة كاملة يصعب إعادة إنتاجها خارج مراكزها التاريخية.

وفي جوهر هذا التحول، يبدو أن الدول تتحرك داخل سباق لا يملك فيه أي طرف السيطرة الكاملة على قواعده.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار