قبل أن تبدأ الكويت مشوارها أمام السعودية، تقف أمام تحدٍّ يتجاوز نتيجة مباراة أو البحث عن لقب جديد؛ فـ"الأزرق" يدخل البطولة وهو صاحب الرقم القياسي التاريخي في كأس الخليج برصيد 10 ألقاب، وهو رقم لم يقترب منه أي منتخب آخر حتى الآن.
وتوّجت الكويت بألقاب النسخ الأربع الأولى أعوام 1970 و1972 و1974 و1976، قبل أن تضيف 6 ألقاب أخرى سنوات 1982، و1986 و1990 و1996 و1998 و2010.
وتعود آخر مرة رفعت فيها الكويت الكأس إلى خليجي 20 في اليمن عام 2010، عندما تغلّبت على السعودية بهدف دون رد في المباراة النهائية، ومنذ ذلك التاريخ، غابت الكويت عن منصة التتويج، لكن رقمها التاريخي بقي صامدا.
شاركت أربع دول في النسخة الافتتاحية، هي البحرين والسعودية والكويت وقطر، وقد توج منتخب الكويت بلقب أول نسخة بثلاثة انتصارات عن جدارة بعد ظهوره بمستوى عالٍ، ممهدا الطريق لسجل قياسي يتضمن عشرة ألقاب من أصل 26 نسخة.
ثم عاد "الأزرق" وفاز بالنسخ الثلاث التالية في 1972 و1974 و1976، ليحقق أربعة ألقاب متتالية ويؤسس مبكرا لملامح الهيمنة التي ستصبح لاحقا العلامة الأبرز في تاريخ البطولة.
الشيخ فهد الأحمد الجابر الصباح رئيس الاتحاد الكويتي كان من أهم الرجال في هذه المرحلة من عمر الكرة الخليجية، وقد اشتهرت كأس الخليج في بداياتها، بوجوده إلى جانب كل من الأمير فيصل بن فهد رئيس الاتحاد السعودي عيسى بن راشد رئيس الاتحاد البحريني، حيث ساهموا في نهضة البطولة من خلال تصريحاتهم القوية.
وللمفارقة، فقد نُقل عن الشيخ فهد الأحمد قوله بعد غياب المنتخب السعودي عن إحراز اللقب في النسخ الأولى، إنه لن يحققها إلا إذا أصبحت الكرة مربعة، وهي مفارقة قد تتذكرها الجماهير الكويتية حين يفتتح "الأزرق" مشواره في خليجي 27 بمواجهة السعودية نفسها.
تفسير الهيمنة الكويتية لا يرتبط فقط بعدد النجوم أو التفوق الفني؛ إذ قال سعد الحوطي أحد أبرز نجوم الكرة الكويتية في السبعينيات والثمانينيات، في حوار سابق له مع صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية إن العامل النفسي لعب دورا كبيرا إلى جانب العامل الفني في تلك الهيمنة، مشيرا إلى أن الكويت امتلكت في تلك الفترة وفرة من اللاعبين المميزين والموهوبين، وهو ما منح المنتخب قدرة أكبر على التعامل مع مباريات البطولة وضغوطها.
وبحسب الحوطي، لم تكن هناك "خلطة سرية" وراء التفوق، وإنما اجتماع عناصر فنية ونفسية ووفرة في الأسماء البارزة، مع دور معنوي لعبته التصريحات الشهيرة لمسؤولي الكرة الكويتية في تلك الفترة.
وكانت تلك البيئة الكروية قادرة على إنتاج أجيال متعاقبة، وهو ما يفسر استمرار الكويت في العودة إلى اللقب بعد فترات التراجع، فبعد أن خسرت نهائي 1979 أمام العراق، استعادت الكأس في 1982، ثم أضافت لقب 1986، قبل أن تتوج مجددا على أرضها في 1990.
وبعد غياب عن منصة التتويج في بعض النسخ، عادت لتفوز بخليجي 13 عام 1996 ثم خليجي 14 عام 1998، قبل أن تأتي العودة الأخيرة في خليجي 20 عام 2010، وبذلك توزعت ألقاب الكويت العشرة على أربعة عقود، وهو ما جعل الرقم أكثر صعوبة في الملاحقة.
ولا يمكن فصل تلك الهيمنة عن أسماء صنعت ذاكرة خاصة للبطولة، ويأتي جاسم يعقوب في مقدمتها، باعتباره الهداف التاريخي لكأس الخليج برصيد 18 هدفا، وكان هدف يعقوب في العراق خلال نسخة التتويج الرابعة واحدا من أهم الأهداف التي ارتبطت بذاكرة الجيل الذهبي.
في تلك السنوات لم تكن الكويت تملك لاعبا أو اثنين فقط، بل مجموعة متكاملة من العناصر التي صنعت ما يمكن وصفه بـ"ثقافة البطولة"؛ لاعبون اعتادوا المنافسة والضغط والمباريات الحاسمة، مثل فيصل الدخيل وسعد الحوطي والعنبري إلى جانب يعقوب.
الأرقام تكشف أيضا حجم الفارق التاريخي، فالكويت تملك المنتخب الأكثر تتويجا بكأس الخليج برصيد 10 ألقاب، مقابل ستة للعراق وثلاثة لكل من السعودية وقطر، كما أن الكويت لم تكتفِ بكثرة التتويجات، بل كانت حاضرة في البطولة منذ نسختها الأولى وشاركت في جميع نسخها، ما منحها تراكما تاريخيا لا تملكه بعض المنتخبات التي دخلت المنافسة لاحقا.
هذا التراكم سيبرز في جيل آخر كتب التاريخ للكرة الكويتية، هو جيل التسعينيات بقيادة الثنائي جاسم الهويدي وبشار عبدالله نجمي بطولتي خليجي 13 و14، إرث الكرة الكويتية لم يُبنَ في جيل واحد بل تكامل على مدار الأجيال بنوع من أنواع الشغف المتعلق ببطولة كأس الخليج في حد ذاتها، والتي كانت أبرز الانتصارات الرياضية للكرة الكويتية قد مرت من خلالها.
لكن هذا الإرث الكبير لم يتحول إلى هيمنة مستمرة في العصر الحديث، فمنذ تتويج 2010، لم تضف الكويت أي لقب إلى رصيدها، بعدما تأثرت رياضيا على كافة الأصعدة لسنوات بسبب تجميد النشاط بداعي التدخل الحكومي، بينما توزعت الألقاب التالية بين دول أخرى، ومع ذلك، بقيت المسافة بينها وبين أقرب ملاحقيها كبيرة؛ فالعراق، صاحب المركز الثاني في قائمة الأبطال، يملك ستة ألقاب، أي أقل بأربعة ألقاب كاملة من الكويت.
وتاريخيا فقد لعب منتخب الكويت الذي لم يغب عن أي نسخة من البطولة، 115 مباراة في بطولات كأس الخليج، حقق خلالها 57 فوزا مقابل 24 تعادلا و34 خسارة، وسجل لاعبوه 200 هدف بينما استقبل 115 هدفا في مرماه.
لذلك كله، فإنه حين يستعد منتخب الكويت لدخول خليجي 27، فإنه يدخل البطولة حاملا إرثا صنعته أجيال كاملة، وربما تكون مهمة الجيل الحالي متمثلة في محاولة الاقتراب من الأمجاد القديمة، والمساهمة في رقم بقي لعقود طويلة بعيدا عن متناول الجميع.
المصدر:
الجزيرة