مع اقتراب كأس العالم 2026 من محطته الأخيرة، يحتدم الصراع على جائزة الكرة الذهبية، ويعود إلى الواجهة سؤال يتكرر مع كل نسخة:، هل يستطيع لاعب ينشط خارج أوروبا أن يتوج بأهم جائزة فردية في كرة القدم؟.
ورغم أن النقاش يشتعل عادة مع البطولات الكبرى، فإن معايير الكرة الذهبية لا تُبنى على شهر واحد من المنافسات، بل على حصيلة موسم كامل يبدأ مع انطلاق بطولات الأندية في أغسطس/آب، ويشمل الأداء المحلي والقاري والدولي.
ويكتسب هذا الجدل أهمية أكبر هذا العام مع بروز اسمين من خارج الدوريات الأوروبية في قلب المنافسة، هما ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو، اللذان يواصلان تحدي عامل العمر وحدود الجغرافيا الكروية، رغم انتقالهما إلى الولايات المتحدة والسعودية.
وإذا كان قائد الأرجنتين ليونيل ميسي (39 عامًا) يقترب من الاحتفاظ بلقب كأس العالم مع منتخب بلاده، فإن عروضه الاستثنائية في مونديال 2026 أعادته بقوة إلى صدارة سباق الكرة الذهبية.
ونجح نجم إنتر ميامي الأمريكي في الجمع بين الأرقام القياسية والتأثير الحاسم، بعدما سجل 8 أهداف وصنع 4 أخرى، ليصبح الهداف التاريخي لكأس العالم، وأكثر لاعب مساهمة بالأهداف في تاريخ البطولة، في إنجاز عزز حظوظه بإضافة كرة ذهبية جديدة إلى خزائنه.
وفي المقابل، ورغم خروج البرتغال من ثمن نهائي كأس العالم على يد إسبانيا، لا يزال كريستيانو رونالدو يتمسك بطموحه في المنافسة على الجوائز الكبرى، رافضًا إنهاء مسيرته الدولية. وأكد قائد البرتغال (41 عامًا) عقب الإقصاء أنه سيواصل تمثيل منتخب بلاده، كما يدخل الموسم الجديد بمعنويات مرتفعة بعدما قاد النصر إلى إحراز لقب الدوري السعودي، محققًا أول بطولة كبرى له منذ انتقاله إلى المملكة.
غير أن استمرار رونالدو في الدوري السعودي أعاد فتح باب النقاش حول تأثير اللعب خارج أوروبا على فرص التتويج بالكرة الذهبية، خصوصًا مع وجود ميسي في الدوري الأمريكي أيضًا.
وبينما يرى كثيرون أن الابتعاد عن الملاعب الأوروبية يقلل من حظوظ اللاعبين، يطرح الواقع الحالي سؤالًا جديدًا: هل أصبح الأداء الفردي والإنجازات الدولية كافيين لكسر الهيمنة الأوروبية على الجائزة؟.
وأجابت الجائزة نفسها عن هذا الجدل عبر موقعها الرسمي، مؤكدة أن اللوائح الحالية لا تفرض أي شرط يتعلق بالدوري الذي يلعب فيه المرشح، وأن الكرة الذهبية تُمنح ببساطة لـ"أفضل لاعب في العالم".
عندما أطلقت مجلة فرانس فوتبول جائزة الكرة الذهبية عام 1956، كانت معاييرها مختلفة تمامًا عما هي عليه اليوم. ففي بدايتها، اقتصرت الجائزة على أفضل لاعب أوروبي ينشط في أحد الدوريات الأوروبية، وهو ما حرم العديد من أساطير اللعبة من المنافسة عليها بسبب الجنسية أو مكان الاحتراف.
وفي عام 1995، أجرت المجلة أول تعديل جوهري، إذ سمحت لجميع الجنسيات بالمنافسة على الجائزة، لكن بشرط أن يكون اللاعب محترفًا في أحد الأندية الأوروبية.
واستمر هذا الشرط حتى عام 2007، عندما ألغيت جميع القيود، لتتحول الكرة الذهبية إلى جائزة عالمية تُمنح لأفضل لاعب في العالم، بغض النظر عن جنسيته أو النادي والدوري الذي يمثله.
ورغم هذا الانفتاح في اللوائح، تكشف الأرقام أن الواقع بقي مختلفًا. فبحسب تحليل فرانس فوتبول لآخر 18 نسخة من الجائزة، فإن جميع الفائزين تقريبًا كانوا يمثلون أندية أوروبية عند تتويجهم، ما يعكس استمرار هيمنة الكرة الأوروبية على سباق الكرة الذهبية.
وضمت القائمة أسماء مثل كاكا عام 2007، وكريستيانو رونالدو في 2008، وليونيل ميسي في 2009، ثم لوكا مودريتش، وكريم بنزيمة، ورودري، وعثمان ديمبيلي، وجميعهم كانوا ينشطون في أقوى البطولات الأوروبية عندما نالوا الجائزة، وغالبًا بعد مواسم استثنائية في دوري أبطال أوروبا أو الدوريات الكبرى.
ويبقى ليونيل ميسي الحالة الوحيدة التي كسرت هذه القاعدة، بعدما أصبح في عام 2023 أول لاعب رجال يفوز بالكرة الذهبية وهو ينتمي إلى نادٍ خارج أوروبا، عقب انتقاله إلى إنتر ميامي الأميركي قبل حفل توزيع الجوائز، ليكتب سابقة تاريخية في سجل الجائزة.
لكن فرانس فوتبول ترى أن اعتبار ميسي أول فائز بالكرة الذهبية من خارج أوروبا يحتاج إلى بعض التوضيح، لأن نظام احتساب الجائزة تغير منذ عام 2022، وأصبح يعتمد على أداء الموسم الكروي الممتد من أغسطس/آب إلى يوليو/تموز، بدلًا من السنة الميلادية كما كان معمولًا به سابقًا.
وبناءً على هذا النظام، فإن غالبية تقييم ميسي في نسخة 2023 استندت إلى ما قدمه مع باريس سان جيرمان خلال موسم 2022-2023، إضافة إلى إنجازه التاريخي بقيادة الأرجنتين للتتويج بكأس العالم. أما انتقاله إلى إنتر ميامي فقد جاء في صيف 2023، أي بعد انتهاء معظم الفترة التي اعتمدت عليها لجنة التصويت، ولذلك لا يمكن اعتباره مثالًا كاملًا على فوز لاعب قضى موسمًا كاملًا خارج القارة الأوروبية.
وترى المجلة أن الفوز بالكرة الذهبية دون اللعب في أوروبا أصبح ممكنًا من الناحية النظرية، لأن لوائح الجائزة لم تعد تفرض أي قيود تتعلق بالدوري أو القارة، لكن التاريخ يثبت أن المهمة لا تزال شديدة الصعوبة، في ظل استمرار تركيز الأنظار على البطولات الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها دوري أبطال أوروبا.
ومع ذلك، تشير فرانس فوتبول إلى أن المشهد بدأ يتغير تدريجيًا مع تنامي قوة بعض الدوريات خارج أوروبا، خاصة الدوري الأميركي، إضافة إلى الارتفاع الكبير في الاهتمام الإعلامي والاستثماري بكرة القدم خارج القارة العجوز، وهو ما قد يمنح نجومًا ينشطون في تلك البطولات فرصة حقيقية للمنافسة مستقبلًا إذا واصلوا تقديم مستويات استثنائية.
واختتمت فرانس فوتبول تقريرها بالتأكيد أن الكرة الذهبية باتت، من الناحية التنظيمية، مفتوحة أمام أي لاعب في العالم مهما كان الدوري الذي ينشط فيه، لكن الوقائع التاريخية تظهر أن الطريق نحو المنصة الذهبية لا يزال يمر، في معظم الأحيان، عبر الملاعب الأوروبية، حيث تتجمع أقوى البطولات وأشد المنافسات تأثيرًا في تصويت لجنة الجائزة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة