آخر الأخبار

الرمز 304 والمخبز قديم.. الحكاية التي سبقت صعود لامين جمال

شارك

سيخوض النجمان الأرجنتيني ليونيل ميسي والبرتغالي كريستيانو رونالدو في نسخة 2026 مشاركة سادسة قياسية في كأس العالم لكرة القدم، لكن التاريخ قد يتذكر هذه النسخة مستقبلاً لسبب مختلف تماماً.

فبينما يقترب اثنان من أعظم لاعبي اللعبة من إسدال الستار على رحلتهما المونديالية الطويلة، يستعد فتى إسباني لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره لكتابة أول فصول حكايته على المسرح ذاته.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 مباشر مباراة تونس ضد بلجيكا الودية تحضيرا لمونديال 2026.. لحظة بلحظة
* list 2 of 2 حفل شواء على قوائم النكسة.. كيف أحرقت البرازيل تاريخ حارسها بسبب مباراة واحدة؟ end of list

من ساحة إسمنتية متواضعة في مدينة ماتارو الكاتالونية إلى ملاعب تستقطب أنظار مئات الملايين حول العالم، جاء صعود لامين جمال بسرعة بدت وكأنها تتحدى قوانين كرة القدم نفسها. ففي غضون سنوات قليلة فقط، انتقل من طفل يطارد الكرة في أحياء مهمشة إلى أحد أكثر اللاعبين إثارة للفضول والترقب قبل انطلاق كأس العالم 2026.

لكن قبل الأهداف والألقاب والنجومية العالمية، كانت هناك قصة أخرى تُروى في حي روكافوندا الشعبي على بعد 32 كيلومترا شمال برشلونة على الساحل الكاتالوني، حيث لم يكن اسم لامين جمال معروفاً خارج حدود الحي.

هناك، داخل مخبز صغير يديره عمه عبدول نصراوي، كانت تقبع نسخة مصغرة من كأس العالم فوق أحد الرفوف. لم تكن مجرد قطعة للزينة أو تذكار كروي عادي، بل كانت أشبه بوعد مؤجل. كان عبدول يخبر الزبائن باستمرار أن هذه الكأس تنتظر اليوم الذي يعود فيه ابن أخيه بالكأس الحقيقية.

امتلك عبدول الكأس حتى قبل أن يخوض جمال مباراته الأولى مع منتخب إسبانيا، لأنه كان يعلم أن شيئا مميزا مقبل. كثيرون في روكافوندا يقولون الشيء نفسه، لكن الأهم بالنسبة لبرشلونة أن جوردي رورا كان أول من اكتشفه.

من أزقة روكافوندا إلى أبواب برشلونة

لم يكن الطريق إلى أكاديمية برشلونة مفروشاً بالوعود أو التوقعات الكبرى، بل بدأ بمعلومة صغيرة نقلها أحد الكشافين عن طفل يلفت الانتباه في المباريات المدرسية. كانت مجرد إشارة إلى موهبة ناشئة في ضواحي برشلونة، لكنها كانت كافية لتحريك جوردي رورا، المسؤول السابق عن كرة القدم للفئات العمرية في النادي الكاتالوني، الذي قرر التحقق بنفسه مما يقال عن ذلك الصبي.

إعلان

لم ينتظر رورا كثيراً. اصطحب معه زميله المقرّب أوريلي ألتيميرا وتوجها لمتابعة اللاعب على أرض الواقع. وكما يحدث في معظم مباريات الأطفال، لم يكن المشهد يوحي بأن أحداً سيكتشف نجماً عالمياً في ذلك اليوم. عشرات الصغار يركضون خلف الكرة بحماس، وصخب يملأ الملعب، وفوضى تبدو طبيعية في مباريات تلك الفئة العمرية. لكن وسط كل ذلك، كان هناك طفل واحد يتصرف بطريقة مختلفة.

وقال رورا لوكالة الأنباء الفرنسية: "كنا هناك مع أوريلي، وفي البداية رأيناه وكان يبدو غريبا قليلا، نحيلا نوعا ما، يتحرك بطريقة غير مألوفة، فقلنا: دعونا نرى".

لم يكن الانطباع الأول كافياً للحكم على موهبة استثنائية. فالجسد النحيل والحركة المختلفة لم يكونا بالضرورة مؤشرين على مستقبل كبير، لكن دقائق المباراة بدأت تكشف شيئاً آخر. شيئاً لا يظهر في اختبارات السرعة أو القوة البدنية، بل في الطريقة التي يفكر بها اللاعب داخل الملعب.

وأضاف رورا: "ثم عندما بدأت المباراة، بات الأمر صعبا… تخيل 20 طفلا في السابعة أو الثامنة يطاردون الكرة جميعهم. ومع ذلك، كان لامين أحيانا يفعل شيئا يجعلك تقول: " بدلا من مجرد الركض خلف الكرة، كان يجد المساحات، ينتظر، يبحث عن قدمه اليسرى، وينفذ بسرعة كبيرة".

في سن كان معظم الأطفال يتعاملون فيه مع الكرة بغريزة اللعب فقط، كان لامين يتصرف وكأنه يفهم اللعبة بصورة أعمق. لم يكن ينجرف وراء الفوضى الجماعية، بل كان يبحث عن المكان المناسب واللحظة المناسبة، ويبدو وكأنه يرى ما سيحدث قبل الآخرين بثوانٍ.

وتلك القدرة لم تولد داخل ملاعب برشلونة الحديثة، بل تشكلت في الساحة الإسمنتية بحي روكافوندا، حيث تعلم الطفل أن الاحتفاظ بالكرة يحتاج إلى سرعة في التفكير قبل القدمين. هناك، بين الجدران الصلبة والأرضية القاسية، كانت المراوغة وسيلة للبقاء في اللعبة. فخطأ واحد أو تأخر بسيط في الحركة قد ينتهي بسقوط مؤلم على الإسفلت.

ومن تلك البيئة خرجت السمة التي لفتت انتباه مكتشفيه أكثر من أي شيء آخر.

ويشرح رورا: "المراوغة ربما هي أكثر المهارات التقنية فطرية، أليس كذلك؟ من الصعب تدريب لاعب مراوغ. كان يمتلك ذلك. كان يموّه ويفعل أشياء تجعلك تقول: واو".

وبالنسبة إلى مسؤولي برشلونة، لم تكن المسألة مرتبطة بعدد الأهداف أو التمريرات الحاسمة التي يصنعها طفل في هذا العمر، بل بامتلاكه شيئاً نادراً لا يمكن تعليمه بسهولة. فقد رأوا لاعباً يملك الجرأة على مواجهة المنافسين، والقدرة على ابتكار الحلول في المساحات الضيقة، والموهبة الطبيعية التي تجعل المشاهدين يتوقفون للحظة لمتابعته.

وأضاف رورا: "اعتقدنا أن هذا الطفل يملك شيئا مميزا، حتى وإن كان يبدو نحيلا بعض الشيء، وقررنا التعاقد معه".

لهذا لم يحتج النادي إلى وقت طويل لاتخاذ قراره. ومنذ تلك اللحظة بدأت الخطوات العملية لنقل الموهبة الواعدة إلى برشلونة. جرت المفاوضات سريعاً مع والده المغربي منير نصراوي ووالدته شيلا إيبانا المنحدرة من غينيا الاستوائية، ليبدأ الطفل الذي كان يلعب في أحياء ماتارو الشعبية رحلة جديدة داخل واحدة من أشهر مدارس كرة القدم في العالم، رحلة ستقوده خلال سنوات قليلة فقط من ملاعب الصغار إلى منصات التتويج العالمية وأضواء كأس العالم.

لامين جمال والطفولة الصعبة

بعيداً عن الأضواء التي تحيط به اليوم، كان لامين جمال طفلاً هادئاً يميل إلى الخجل أكثر مما يميل إلى لفت الانتباه.

إعلان

كان يقضي ساعات طويلة في اللعب مع أصدقائه، كما ارتبط بعلاقة خاصة مع جدته فاطمة من جهة والده، التي لعبت دوراً محورياً في تاريخ العائلة قبل سنوات طويلة من ولادة حفيدها الأشهر.

فاطمة كانت أول أفراد الأسرة الذين وصلوا إلى إسبانيا. ففي عام 1990، غادرت مدينة طنجة المغربية على متن عبارة متجهة إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط، بحثاً عن حياة أفضل. وبعد استقرارها في كاتالونيا، بدأت تدريجياً في لمّ شمل أفراد العائلة، مستقدمة أبناءها الواحد تلو الآخر خلال السنوات اللاحقة.

واختارت فاطمة الاستقرار في حي روكافوندا بمدينة ماتارو، ذلك الحي الشعبي الذي سيصبح لاحقاً جزءاً لا يتجزأ من هوية لامين جمال. وحتى اليوم لا تزال تعيش هناك، في المكان نفسه الذي شهد بدايات الأسرة في إسبانيا، بينما تغيرت حياة كثيرين من حولها مع مرور الزمن.

أما والد لامين، منير نصراوي، فقد بقي لسنوات طويلة أحد الوجوه المعروفة في الحي، قبل أن ينتقل إلى حي ساريا الراقي في برشلونة بعد حادثة الطعن التي تعرض لها خلال شجار عام 2024. ورغم التحولات التي طرأت على حياة العائلة، بقيت روكافوندا تمثل الجذور الأولى التي يعود إليها الجميع كلما ذُكرت قصة لامين جمال.

وربما لهذا السبب لم يحاول اللاعب يوماً إخفاء تلك الخلفية الاجتماعية أو الابتعاد عنها بعد وصوله إلى قمة كرة القدم الأوروبية. فعلى العكس من كثير من النجوم الذين يسعون إلى رسم صورة جديدة لأنفسهم بعد الشهرة، ظل جمال يتحدث عن طفولته وأحيائه الشعبية بفخر واضح، معتبراً أن تلك البيئة كانت جزءاً أساسياً من تكوين شخصيته.

وفي حديث سابق لبرنامج "60 دقيقة" وقناة "إي أس بي أن" الأميركية، عاد لاعب برشلونة إلى ذكريات طفولته في ماتارو، مستحضراً واقع الأحياء التي نشأ فيها والصعوبات التي عاشها سكانها بعيداً عن صورة برشلونة السياحية اللامعة.

وقال جمال: "مثل العديد من الأحياء الفقيرة، تُنسى روكافوندا. لسنا مثل ساريا أو باسيو دي غراسيا، نكافح بكل ما أوتينا من قوة لنعيش حياة كريمة ونستمتع بها معًا. نعرف أصولنا ونفتخر بها".

كما كشف جمال عن حقيقة مذهلة حول طفولته، مشيراً إلى أن الرفاهية التكنولوجية كانت بعيدة المنال عن عائلته: "لم نكن نملك ترف اقتناء أجهزة "بلاي ستيشن" أو "نينتندو". كانت ساحات الملعب هي عالمنا، وبطاقات ‘بوكيمون’ التي لا يتجاوز ثمنها يورو واحد هي كل ما نملك للمرح".

هذه البساطة لم تغادر مخيلته حتى الآن؛ إذ لا يزال يربط بين زملائه وشخصيات كرتونية، واصفاً داني أولمو بـ "بيكاتشو" لملامحه الشقراء، والحارس تشيزني بـ "تشاريزارد" لما يتمتع به من كاريزما وهالة قيادية خاصة.

فلسفة الـ "304"

أكد جمال أن احتفاله الشهير برسم الرقم 304 بأصابعه ليس مجرد حركة عابرة، بل هو بيان سياسي واجتماعي يعتز بـ "حي روكافوندا" المنسي: "نحن نكافح لنيل حياة كريمة وسط تهميش مستمر لأحيائنا. أنا فخور بأصولي، والاحتفال هو تذكير بأن الموهبة تخرج من قلب المعاناة، وليس فقط من أحياء الأثرياء مثل ساريا".

رغم كونه المرشح الأبرز لزعامة الجيل القادم عالمياً، يصر جمال على ممارسة حياته الاعتيادية؛ فهو يعتني بشقيقه الصغير، ويقضي وقتاً مع أصدقائه القدامى، ويمارس "هوايته المتأخرة" في لعب البلاي ستيشن، محاولاً الحفاظ على الطفل الذي كان يلعب ببطاقات اليورو الواحد داخل جسد النجم الذي تبلغ قيمته الملايين.

مشاهدة الجناح ووالده في الحي باتت الآن أكثر ندرة، لكن المباريات لا تزال مستمرة، حيث يتبارى اللاعبون أمام جدارية للامين رُسمت عام 2025.

وقال رورا "(لامين) يستمتع باللعب، وأعتقد أنه حتى عندما كان صغيرا جدا، كلما كان التحدي أكبر وكلما كانت المباراة أصعب، كان يحب ذلك أكثر".

صعود بلا سقف

خلال ثلاثة أعوام فقط، انتقل لامين جمال من موهبة واعدة في أكاديمية برشلونة إلى أحد أبرز نجوم كرة القدم العالمية.

إعلان

ففي عام 2024، كان لا يزال يراجع دروسه ويستعد لامتحاناته الدراسية، بالتزامن مع مشاركته في بطولة أوروبا التي قاد خلالها منتخب إسبانيا نحو اللقب، بعدما خطف الأنظار بهدفه التاريخي في مرمى فرنسا.

ومنذ ذلك الحين، تسارع صعوده بصورة مذهلة، ليصبح أحد أبرز الوجوه المنتظرة في كأس العالم 2026.

ويرى جوردي رورا أن ما حققه اللاعب حتى الآن وهو في الثامنة عشرة فقط يجعل سقف طموحاته مفتوحاً بالكامل، مؤكداً أن ما يمكن أن يحققه مستقبلاً "لا حدود له".

أما عمه عبدول، الذي ظل متمسكاً بنسخة كأس العالم الصغيرة طوال هذه السنوات، فيكتفي بابتسامة هادئة كلما سُئل عن إمكانية رؤية الكأس الحقيقية في روكافوندا يوماً ما. ويقول: "آمل ذلك… إذا فزنا بكأس العالم، عندها فقط سأتحدث".

وبين الساحة الإسمنتية في حي متواضع شمال برشلونة، وأكبر مسرح كروي على وجه الأرض، تبدو رحلة لامين جمال واحدة من أسرع قصص الصعود في تاريخ كرة القدم الحديثة، وربما تكون كأس العالم 2026 مجرد بداية فصل جديد منها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا