في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد ظهر يوم الجمعة 10 يوليو/تموز 2026 بتوقيت بكين، انطلق صاروخ أبيض اللون، يكاد يبلغ ارتفاعه مبنى مكونا من 20 طابقا، من موقع إطلاق الصواريخ الفضائية التجارية في مقاطعة هاينان، مداعبا الهواء الرطب فوق بحر الصين الجنوبي، في ظاهرة باتت معتادة بكثافة في سماء البلاد خلال السنوات الماضية.
يُسمى هذا الصاروخ "لونغ مارش 10 بي"، وكان يقوم برحلته التجريبية الأولى، والتي بدت ظاهريا مثل عشرات عمليات الإطلاق التي تجريها الصين سنويا. لكن هذه المرة، حدث شيء لم يسبق لصاروخ صيني آخر أن فعله من قبل، فبعد انفصال المرحلتين الأولى والثانية من الصاروخ، لم يسقط الصاروخ المعزز (المرحلة الأولى)، وهو الجزء السفلي الذي يوفر معظم قوة الدفع للرحلة، إلى الأرض كقطعة خردة، بل هبط بسلاسة تامة، كما تفعل صواريخ شركة سبيس إكس التي ترجع من الفضاء.
استدار الصاروخ بعد الانفصال عن المرحلة الثانية عبر مناورات هوائية، وأعاد تشغيل محركات الكبح، ثم استخدم زعانف خاصة للتوجيه وإبطاء الإنزال، لكن بدلا من أن يفتح أرجلا معدنية ويهبط فوق سطح السفينة، وهي الطريقة التي اشتهرت بها شركة سبيس إكس، دخل في منظومة حبال وشبكة عملاقة فوق منصة بحرية، فالتقطته وعلقته في الهواء قبل ملامسة السطح.
هنا، هتف المهندسون ابتهاجا في البث المباشر الذي نقلته قناة "سي سي تي في" الصينية، وأعلنت شركة علوم وتكنولوجيا الفضاء (CASC)، وهي الشركة الحكومية الرئيسية التي قامت ببناء الصاروخ من خلال أكاديميتها المتخصصة في مركبات الإطلاق في بكين، أن هذه المهمة تُعد أول استعادة خاضعة للتحكم لمركبة إطلاق مدارية في البلاد، بل أول استعادة لها في العالم باستخدام شبكة، كما أعلنت عزمها إعادة إطلاق المرحلة المستعادة مجددا قبل نهاية العام. نعم، أصبحت الصين ثاني دولة تتقن هذه المناورة في العالم، وقد فعلت ذلك بأسلوب هندسي مميز عن "المنافسين".
الصاروخ "لونغ مارش 10 بي" هو مركبة ثنائية المراحل، يبلغ ارتفاعها حوالي 63 مترا، وقادر على إطلاق ما يقارب 16 طنا من الأجهزة (الأقمار الصناعية) إلى مدار أرضي منخفض، وهو نطاق فضائي قريب من الأرض، يمتد عادة من نحو 160 إلى 2000 كيلومتر فوق سطحها، ويضم الغالبية العظمى من الأقمار الصناعية العاملة حاليا، ويُصنف هذا الصاروخ ضمن فئة الأداء التي تضاهي صاروخ "فالكون 9″، وهو الصاروخ الأساسي الذي يحمل الغالبية العظمى من الحمولات الأمريكية، وأنتجته شركة سبيس إكس.
"أصبحت الصين ثاني دولة تتقن هذه المناورة في العالم، وقد فعلت ذلك بأسلوب هندسي مميز عن المنافسين"
إلا أن ثمة تفصيلا كامنا في اسم الصاروخ يضفي على هذه اللحظة المزيد من الأهمية، حيث يعد الصاروخ "10 بي" نسخة أحادية النواة من صاروخ "لونغ مارش 10″، وهو صاروخ ثلاثي النواة فائق الثقل تطوره الصين لإنزال رواد فضائها على سطح القمر قبل عام 2030.
النواة هي وحدة صاروخية كاملة تضم المحركات وخزانات الوقود والهيكل، وكلما ازداد عدد الأنوية اعتبر الصاروخ أثقل. في "10 بي" نجد عدد أنوية أقل، لكنها نفس المحركات، ونفس المراحل، ونفس تقنيات الاستعادة التي تُجرب في بحر الصين الجنوبي، وهي جميعها مكونات أساسية في مشروع الصين للهبوط على القمر.
هنا يتضح لنا أحد الجوانب المهمة للإستراتيجية الفضائية الصينية، وهي دمج البرامج الفضائية معا بشكل متناغم، فكل اختبار لا يكون عادة سؤالا تقنيا أو هندسيا واحدا، بل عدة أسئلة، فتجد مركبة تطلق أقمارا صناعية، وتختبر صاروخا قابلا للاستعادة، هذا الصاروخ نفسه يمثل نموذجا لصاروخ آخر سيسافر للقمر خلال سنوات، وهكذا.
تنطلق الصين للأعالي بسرعة غير مسبوقة، والخصوم يعرفون ذلك قبل الأصدقاء. إطلاق "لونغ مارش 10 بي" ليس الدليل الوحيد على ذلك، ففي عام 2023 وحده، أجرت الصين 67 عملية إطلاق فضائي، قبل أن يرتفع الرقم إلى مستوى قياسي بلغ 68 عملية في عام 2024. لكن القفزة الكبرى جاءت في عام 2025، عندما نفذت البلاد 92 عملية إطلاق وفق الإحصاءات الصينية الرسمية. ونفذت شركة علوم وتكنولوجيا الفضاء الصينية وحدها 73 مهمة خلال ذلك العام، وهو رقم قياسي خاص بها. وتشير بعض التقديرات إلى إمكانية وصول الصين إلى نحو 140 عملية إطلاق خلال عام 2026.
تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لا تزال في المجمل القوة المهيمنة عالميا في مجال إطلاق الصواريخ، ففي عام 2025 نفذت الشركات الأمريكية 193 محاولة إطلاق مداري، منها 165 رحلة لصاروخ "فالكون 9″، وهو رقم قياسي جديد في عمليات الإطلاق المدارية، يفوق مجموع ما نفذته بقية دول العالم مجتمعة في نفس العام.
"تمكنت بكين خلال عقد من تحويل قطاعها الفضائي التجاري من مجال شبه معدوم إلى منظومة واسعة من الشركات الناشئة، تُدار وتُوجه بواسطة الدولة"
لكن هناك ما هو أعمق من مجرد رصد الوضع الراهن، حيث يبدو أن وتيرة إطلاق صواريخ سبيس إكس تقترب من ذروتها العملية، بينما تتسارع وتيرة إطلاق الصواريخ الصينية، فالنمو مدروس وممول، ويرتبط بجداول زمنية محددة للإطلاق، تخضع لرغبات الدولة الصينية نفسها، وليس لطلب السوق.
على سبيل المثال، خلصت لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية، في تقريرها السنوي الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 والمقدم إلى الكونغرس، إلى أن الصين تمكنت خلال عشر سنوات فقط من تحويل قطاعها الفضائي التجاري من مجال شبه معدوم إلى منظومة واسعة من الشركات الناشئة، تُدار وتُوجه بدرجة كبيرة من جانب الدولة.
ويرى التقرير أن هذا النمو السريع جاء مدفوعا بالدعم الحكومي، وبسياسات تهدف إلى تجاوز الاختناقات التقنية، وخفض الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، ثم اللحاق بالشركات الأمريكية ومنافستها في الأسواق الدولية، بل ويحذر التقرير من أن القطاع الفضائي الصيني المتنامي قد يصبح قادرا على تحدي الريادة الأمريكية خلال العقد الجاري، لا سيما في مجالي الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام وكوكبات الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض.
وبحسب التقرير، فقد بدأت بكين فتح المجال تدريجيا أمام الشركات غير الحكومية عام 2014، عندما خففت القيود المفروضة على صناعة الأقمار الصناعية وعمليات الإطلاق التجاري، ثم قللت عام 2019 العوائق أمام الاستثمار الخاص في صناعة الصواريخ. وفي عام 2020 أدرجت الصين الإنترنت الفضائي ضمن خطة "البنية التحتية الجديدة"، قبل أن تصنف الحكومة الفضاء التجاري عام 2023 باعتباره قطاعا إستراتيجيا ناشئا، وهو نفس التصنيف الذي سبق أن منحته لصناعات مثل السيارات الكهربائية.
وقد أدى هذا التحول إلى إطلاق خطط محلية واسعة لتأسيس تجمعات صناعية فضائية، بحيث تتنافس المدن والمقاطعات في جذب شركات الصواريخ، والأقمار الصناعية، ومراكز الاختبار والتصنيع. ويشير التقرير إلى أن 7 من أبرز الشركات الصينية العاملة في الصواريخ أقامت مجتمعة شبكة تضم 51 موقعا للإنتاج والتطوير الصاروخي موزعة على مناطق متفرقة من البلاد، في طفرة غير مسبوقة.
"تمكنت 7 شركات صينية من إقامة شبكة تضم 51 موقعا للإنتاج والتطوير الصاروخي موزعة على مناطق متفرقة من البلاد"
في مقاطعة هاينان على سبيل المثال، تحتوي مدينة وينتشانغ الساحلية على ميناء الإطلاق الجنوبي للصين، وتسعى إلى زيادة عدد الرحلات التجارية والتحول إلى مركز للسياحة الفضائية. وقد أعلنت الحكومة عن إنشاء "مصنع فائق" على مسافة قريبة، يستهدف إنتاج ما يصل إلى ألف قمر صناعي سنويا، مستخدما أساليب الإنتاج المتسلسل المستعارة من صناعة السيارات. وفي المقابل تبني مدن مثل شنغهاي خطتها الفضائية على خبرتها في الطيران المدني، وتستفيد مدن مثل شنتشن من صناعات الاتصالات والإلكترونيات، بينما تعتمد العاصمة بكين على تجمع متنوع وعالي القيمة، من شركات الصواريخ والجامعات ومعاهد الأبحاث.
ميزة هذا النموذج تكمن في قدرة الدولة الصينية على دعم عدد كبير من الشركات حتى إن لم تكن مربحة في البداية، الأمر الذي يخلق فائضا في الإنتاج ومنافسة داخلية شديدة تدفع الشركات إلى خفض التكاليف باستمرار، والدخول وبشكل مستمر في جداول عمل متسارعة، وقد يؤدي ذلك في النهاية إلى خروج عدد محدود من "الأبطال الوطنيين" القادرين على منافسة الشركات الفضائية الدولية، ولكن بأسعار أقل.
"تخلت الصين عن إستراتيجية البطل الواحد، وفتحت المجال للتنافس الصحي"
نعم، تخلت الصين عن إستراتيجية البطل الواحد، وفتحت المجال للتنافس "الصحي". في الواقع، كان هبوط الصاروخ في 10 يوليو/تموز تتويجا لسباق محلي محموم، ففي أوائل ديسمبر/كانون الأول 2025، أطلقت شركة "لاند سبيس" الخاصة، ومقرها بكين، صاروخها "تشوكي-3" ووصل إلى مداره بنجاح، إلا أن الصاروخ المعزز العائد انفجر فوق صحراء قانسو أثناء محاولته الهبوط.
وبعد أسابيع، كرر صاروخ "لونغ مارش 12 إيه" التابع لشركة علوم وتكنولوجيا الفضاء الصينية نفس المهمة، لكن الصاروخ المعزز تحطم أثناء الهبوط، وخسرت شركة سبيس بايونير رحلة إطلاق صاروخها تيانلونغ-3 (وهو صاروخ مماثل لصاروخ فالكون 9) في أبريل/نيسان 2026، ومع هذه الشركات تعمل شركات أخرى، من بينها ديب بلو إيروسبيس، وغالاكتيك إنرجي، وكاس سبيس، وآي سبيس، على تطوير مركبات قابلة لإعادة الاستخدام.
لاحظ هنا نقطة مهمة، حيث رُوّج لهذه الإخفاقات في الغرب على أنها دليل على الضعف، ولكن على العكس تماما، كانت المحاولات الفاشلة تكشف عن مدى اتساع نطاق الجهود المبذولة في مهام الصواريخ القابلة للاستعادة، وتبشر بنجاح قريب، وقد تعرضت صواريخ الشركات الأمريكية مثل سبيس إكس للتحطم، على مدى سنوات، قبل أن تنجح صواريخها في الهبوط على منصات ثابتة.
ما يقلق الأمريكيين بشكل أكبر، إذن، ليس عدد الإطلاقات، بل النموذج الذي يقف وراءها، إلى جانب بنية تحتية مادية يتم إنشاؤها بوتيرة متسارعة، تتمثل في ميناء فضائي تجاري ومنصات إطلاق جديدة قيد التشغيل، ومصانع ضخمة للأقمار الصناعية مصممة لإنتاج مئات المركبات الفضائية، وسلسلة من الصواريخ الجديدة. هذا ما يقصده المحللون عندما يقولون إن بكين لم تعد تسعى للحاق بشركة ما (سبيس إكس نقصد) أو تقليدها، بل تحاول خلق بنية تحتية تدوم أطول من أي بنية منافسة.
في جميع مجالات الفضاء تقريبا، البشرية منها، والقمرية، والكوكبية، والاتصالات، والملاحة، والعلوم، تدير الصين برامج جادة وممولة ومنظمة وفقا لجدول زمني صارم. مثلا، تمتلك الصين محطة الفضاء "تيانغونغ" المأهولة بشكل مستمر منذ عام 2021، حيث يتم تبديل أطقم مكونة من ثلاثة أفراد كل ستة أشهر بانتظام معتاد، وتمتلك برنامجا واعدا للسفر إلى المريخ، وتنشر بشكل دوري أبحاثا في نطاقات العلوم الفضائية الأساسية، بل وتمتلك حاليا أكبر تلسكوب راديوي في العالم.
"لا يوجد عنصر في البرنامج الفضائي الصيني ينفذ بانضباط أكبر من الحملة القمرية"
لكن لا يوجد عنصر في البرنامج ينفذ بانضباط أكبر من الحملة القمرية. في عام 2019، حققت المركبة الفضائية "تشانغ آه-4" أول هبوط سلس في التاريخ على الجانب البعيد من القمر، وفي عام 2020 أعادت "تشانغ آه-5" عينات قمرية إلى الأرض، لتكون أول مواد يتم جلبها من القمر منذ مهمة "لونا-24" السوفياتية عام 1976. وفي يونيو/حزيران 2024، حققت "تشانغ آه-6" إنجازا غير مسبوق، حيث هبطت داخل حوض القطب الجنوبي-أيتكن على الجانب البعيد للقمر، وجمعت بالحفر والذراع الآلية نحو كيلوغرامين من التربة والصخور، قبل أن تعيدها إلى الأرض في 25 يونيو/حزيران من نفس العام.
اعتمدت المهمة على قمر الاتصالات المرحّل "تشويشياو-2″، الذي أتاح لأول مرة نقل الإشارات بين الأرض والجانب البعيد من القمر، وهي مهمة لم تنفذها أي وكالة فضاء أخرى من قبل. نعم، بدأت هذه النتائج العلمية تعيد كتابة الكتب الدراسية، وتضيف لها فصولا جديدة تحمل اسم الصين "كأول دولة". والواقع أنه لعقود، كان الوصف المنتشر لبرنامج الفضاء الصيني هو "مثير للإعجاب، ولكنه مشتق من برامج أخرى"، أي أنه برنامج يشبه البرنامج الأمريكي والسوفياتي، بتكلفة أقل، لكن هذا الادعاء أصبح الآن متقادما، وبشكل خاص بعد المهام الصينية الفريدة في الجانب البعيد للقمر.
ستطلق الصين برنامج استكشاف القمر "تشانغ آه-8" عام 2028 لاستكشاف الجليد المائي في القطب الجنوبي للقمر، وستفحص المهمة إمكانية استخدام الموارد القمرية نفسها في سياق مشروع أهم، وهو محطة الأبحاث القمرية الدولية (ILRS) بقيادة الصين وروسيا، والمقرر بدء مرحلة بنائها عام 2031، وهي محطة ثابتة على سطح القمر.
مرة أخرى، تنطلق برامج الصين في تناغم ممتاز، فكل خطوة تخدم بقية الخطوات، ورغم أن المشروعات منفصلة تماما، وكل منها يخدم غرضا محددا، إلا أن كل إنجاز في واحد منها يخدم البقية.
والواقع أنه لا يوجد شيء يوضح كيف أعاد صعود الصين، والقلق الشديد منه، تشكيل سياسة الفضاء الأمريكية أكثر من برنامج أرتميس. عندما انطلق البرنامج بين عامي 2017 و2019، كان الهدف المعلن علميا واستكشافيا، لكن المنطق السياسي كان تنافسيا بشكل واضح، وهو إعادة الأمريكيين إلى القمر قبل أن تصل الصين إليه أولا، ويرفع رواد الفضاء علم الصين على القمر.
الأمر ليس سريا، فقد وصف بيل نيلسون، رئيس وكالة الفضاء الأمريكية ناسا حتى عام 2025، الوضع مرارا وتكرارا بأنه "سباق فضائي"، وحذر الكونغرس مما وصفها بـ"النوايا الصينية في القطب الجنوبي للقمر"، المنطقة التي يجعلها جليدها المائي "الجائزة الكبرى" لأي دولة تصل هناك أولا، مضيفا إن قلقه هو أن الصين ستصل أولا وتعلنها بوضوح قائلة: "هذه منطقتنا، ابقوا خارجها".
"يعد القطب الجنوبي للقمر الجائزة الكبرى للدولة التي تصل هناك أولا"
بل وتفاقم القلق في أغسطس/آب 2025، عندما أمر القائم بأعمال مدير وكالة ناسا، وزير النقل شون دوفي، ببرنامج عاجل لوضع مفاعل انشطار نووي على سطح القمر بحلول عام 2030، مبررا ذلك بمصطلحات تنافسية بحتة تستهدف الصين لا شك، حيث قال عن التضاريس القطبية الغنية بالجليد في القمر: "هناك جزء معين من القمر يعرف الجميع أنه الأفضل. لدينا جليد هناك، ولدينا ضوء الشمس هناك. نريد أن نصل إلى هناك أولا ونطالب به لأمريكا".
في أبريل/نيسان 2026، حدث أقوى الانتصارات الأمريكية في هذا النطاق، فبعد سنوات من التأجيل، انطلقت مركبة "أرتميس 2" من مركز كينيدي للفضاء حاملة رواد فضاء أمريكيين في رحلة استغرقت عشرة أيام حول القمر، لتكون بذلك أول رحلة بشرية تغادر مدار الأرض المنخفض منذ "أبولو 17" عام 1972، لكن رغم ذلك فإن الموقف الأمريكي ظل، بشكل أو بآخر، مضطربا تماما. ففي مايو/أيار 2025، اقترح مشروع ميزانية البيت الأبيض للسنة المالية عام 2026 خفض تمويل ناسا بنسبة 24% تقريبا. وفي العام نفسه، اختار نحو 3870 موظفا، أي أكثر من خمس قوة الوكالة العاملة، المغادرة عبر برامج الاستقالة المؤجلة والتقاعد والانفصال الطوعي.
كما أعادت ناسا هيكلة برنامج أرتميس بشكل جذري، حيث كان من المفترض أن تحمل مهمة "أرتميس 3" رواد الفضاء للنزول إلى سطح القمر، لكنها تحولت إلى رحلة تجريبية في مدار أرضي منخفض عام 2027، وانتقلت أول مهمة هبوط مأهولة إلى "أرتميس 4″، التي تؤكد ناسا أنها ملتزمة بموعدها المحدد لعام 2028، وهو موعد يعتمد على صواريخ ومركبات لا تزال تجريبية.
ويشعر بعض الخبراء في البرنامج بقلق واضح، فالسؤال المطروح في جلسات الاستماع بالكونغرس لم يعد يدور حول ما إذا كان هناك سباق للوصول إلى سطح القمر، بل أي الهدفين يبدو أكثر مصداقية: هدف أمريكا لعام 2028 أم هدف الصين "قبل عام 2030". خاصة وأن الجدول الزمني الصيني لم يتأثر حتى الآن، بل يبدو أنه يمضي بثبات، ومن دون قلق.
"خلف كل هذا التنافس يقف سؤال واضح عن القواعد التي ستنظم النشاط القمري"
وخلف كل هذا التنافس، يقف سؤال واضح عن القواعد التي ستنظم النشاط القمري، ومن سيحصل على ماذا، لاحظ أن الموارد القمرية لا تقف عند الجليد، فربما يكون هناك ما هو أثمن، مثل الحديد والألومنيوم والتيتانيوم والسيليكون، وغيرها مما يمكن استخدامه في البناء والتصنيع على القمر، أما الهيليوم-3 (نظير نادر غير مشع للهيليوم)، المنتشر على سطح القمر، فيتم طرحه كوقود محتمل لمفاعلات الاندماج النووي على الأرض، وإن كانت جدواه التجارية ما تزال غير مؤكدة.
الأمر بالفعل وصل إلى مرحلة بناء التحالفات، وكأننا في حرب سياسية اقتصادية من نوع جديد، حيث جمعت اتفاقيات أرتميس، التي صاغتها الولايات المتحدة، تحالفا واسعا من الموقعين، معظمهم من الدول الأوروبية، أما الصين وروسيا، اللتان لم توقعا على هذه الاتفاقية، فتبنيان تحالفهما الخاص حول برنامج محطات الأبحاث القمرية الدولية الذي استقطب 17 دولة ومنظمة دولية وأكثر من 50 مؤسسة بحثية بحلول عام 2025، وهي قائمة تميل نحو دول الجنوب العالمي، من فنزويلا إلى باكستان وجنوب أفريقيا والسنغال.
الأهم مما سبق كله، يتعلق بالاندماج بين العلمي والإستراتيجي والعسكري في هذا النطاق. حاليا تعمل الصين على بناء مشروعين في آن واحد، الأول هو غووانغ (الشبكة الوطنية)، وهو مشروع حكومي يضم حوالي 13 ألف قمر صناعي، وتديره مؤسسة حكومية مركزية أنشئت عام 2021، والثاني هو مشروع تشيانفان (الألف شراع)، وهو كوكبة أقمار صناعية من المخطط أن تتجاوز 15 ألف وحدة.
تم إطلاق أكثر من 350 قمرا صناعيا ضمن البرنامجين، ومن المقرر بدء الخدمة التجارية في دول مثل البرازيل وكازاخستان في أواخر العام الحالي. وتشهد منحنيات الإطلاق تسارعا ملحوظا، إذ تدعو خطة غووانغ إلى إطلاق 310 أقمار صناعية في عام 2026، و900 قمر في عام 2027، و3600 قمر سنويا بدءاً من عام 2028.
تمثل الهدف المعلن للمشروعين في إنشاء شبكة إنترنت فضائي صينية، توفر اتصالا سريعا للمناطق النائية والسفن والطائرات، وتدعم إنترنت الأشياء وشبكات الجيل السادس، مع منح الصين موطئ قدم في سوق الاتصالات الفضائية الدولية، يتركز مشروع "غووانغ" بدرجة أكبر على السوق الصينية والاحتياجات السيادية والأمنية، بينما يتجه مشروع "تشيانفان" بصورة أوضح إلى تقديم خدمات تجارية خارج الصين ومنافسة "ستارلينك" في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
"تريد بكين امتلاك بنية اتصالات فضائية مستقلة لا تعتمد على شركات أمريكية يمكن تقييد خدماتها أو قطعها في أوقات الأزمات"
لكن الهدف الإستراتيجي يتجاوز بيع الإنترنت وخدماته لا شك، إذ تريد بكين امتلاك بنية اتصالات فضائية مستقلة لا تعتمد على شركات أمريكية يمكن تقييد خدماتها أو قطعها في أوقات الأزمات، أو اختراقها طبعا، كما تستطيع كوكبات الأقمار الصناعية التي تعمل في المدار المنخفض توفير شبكة عسكرية موزعة يصعب تعطيلها بالكامل في حال نشأت "معركة فضائية". يمكن لهذه الأقمار الصناعية، الدقيقة وكثيفة العدد، أن تربط الوحدات البرية والسفن والطائرات والمسيرات ومراكز القيادة، وتنقل بيانات الاستطلاع والمراقبة بسرعة، حتى عند تدمير أبراج الاتصالات أو التشويش على الشبكات الأرضية.
هذا الأمر ليس اعتباطيا، ولا مجرد مقترح "واعد" للاختبار لم تظهر نتائجه على أرض الواقع بعد، فقد أظهرت حرب أوكرانيا للصين أن شركة "ستارلينك" وأقمارها الصناعية ليست مجرد خدمة إنترنت، بل أداة عسكرية قادرة على إبقاء القوات متصلة وتوجيه المسيّرات وتبادل المعلومات أثناء القتال، لذلك تسعى بكين إلى امتلاك نظير صيني بنفس القوة.
بالطبع لا تزال أعداد أقمار ستارلينك التابعة لشركة سبيس إكس أكبر بكثير، وهي أكثر تقدما بفارق يقدر بالسنوات، وقد واجه مشروع تشيانفان مثلا مشاكل كبيرة وجادة، من أعطال في المحركات إلى مشكلات في الجيروسكوبات (أجهزة التوجيه) أجبرت على تعليق النشر لعدة أشهر، لكن النية الإستراتيجية الصينية واضحة لا لبس فيها.
"الوصول الرخيص والسريع والمتكرر إلى الفضاء هو ما يجعل إنشاء كوكبات ضخمة من آلاف الأقمار الصناعية أمرا ممكنا"
هنا تحديدا تظهر أهمية استعادة الصواريخ، وهي أهمية اقتصادية بحتة، حيث أن إمكانية إعادة الاستخدام هي التقنية التي حولت شركة "سبيس إكس" من شركة متواضعة إلى عملاق يهيمن تقريبا على سوق إطلاق الصواريخ الغربية، لأن المرحلة الأولى في أي صاروخ تمثل الجزء الأكبر من تكلفة الصاروخ، ومن ثم فإن استعادتها وإعادة إطلاقها تقلل بشكل كبير من تكلفة الوصول إلى المدار، والأهم من ذلك أنها تقلل بشكل كبير من الوقت بين عمليات الإطلاق.
ومن ثم فإن الوصول الرخيص والسريع والمتكرر إلى الفضاء هو ما يجعل إنشاء كوكبات ضخمة من آلاف الأقمار الصناعية أمرا ممكنا، إنه ببساطة الفرق بين برنامج فضائي وصناعة فضائية. في هذا السياق، أشارت "سي إن إن" في تغطيتها للهبوط، إلى أن إطلاق الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام يمنح ميزة تنافسية مع تزايد ارتباط الفضاء بالقوة العسكرية لأن الدولة القادرة على إطلاق الصواريخ بتكلفة منخفضة وبشكل متكرر هي الدولة القادرة على "بناء وتجديد وإعادة تشكيل" منظومات الأقمار الصناعية المدنية والعسكرية على حد سواء، في أوقات الأزمات.
وبجانب إطلاق المزيد من الأقمار الصناعية، فإن الصين تتفوق حاليا في نطاق أعقد، ويحمل أهمية كبيرة، وهو صيانة الأقمار الصناعية في المدارات العالية. مثلا، بين يوليو/تموز وأواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ظلت مركبة التزود بالوقود الصينية "شيغيان-25" وقمر الخدمة "شيغيان-21" ملتحمين معا في مدار ثابت حول الأرض، على ارتفاع 36 ألف كيلومتر، فيما يقدره متتبعون مستقلون بأنه أول عملية تزود بالوقود بين قمرين صناعيين في العالم على هذا الارتفاع، وهو إنجاز كانت البرامج الأمريكية لا تزال تعمل على تحقيقه عندما انفصل هذا الزوج الصيني من الأقمار الصناعية.
لم تؤكد بكين رسميا نقل الوقود، وكل ما نعرفه مستمد من تلسكوبات تجارية كل ما تفعله هو رصد اندماج نقطتين في نقطة واحدة من بعيد جدا، لكن القمر الصناعي "شيغيان-21″نفسه كان قد أمسك، في عام 2022، بقمر صناعي ملاحة بيدو معطل وسحبه إلى مدار مخصص له، وهي عملية تحكم آلي بمركبة فضائية بواسطة أخرى، وتُعد تكنولوجيا متقدمة جدا في هذا النطاق، وتصب في مصلحة واحدة للصين، وهي جعل عمليات إطلاق والتحكم في الأقمار الصناعية أرخص مع الزمن.
طبعا يعد نظام بيدو للملاحة الصيني، الذي اكتمل بناؤه عام 2020، المنافس العالمي الوحيد لنظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس)، ومثل كل البرامج الشبيهة، فهو نموذج مثالي على رغبة الصين في صناعة بنية تحتية ثقيلة لكل الأغراض تقريباً، وتحقيق استقلال كامل عن الغرب، لتجنب الضغوط السياسية والاختراق الرقمي، إلى جانب بناء تحالفات تكون فيها الصين هي المركز. بمعنى أوضح، تصنع الصين جناحا جديدا للعالم، وهو جناح مستقل، له قوانينه الخاصة، ويعتمد على نفسه.
"الصين أطلقت 67 قمرا صناعيا قابلا للتشغيل في نطاق الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع في عام 2024"
وما تخشاه الولايات المتحدة عسكري بحت، حيث تشير تقديرات وزارة الحرب الأمريكية إلى توسع كبير في قدرات الصين في نطاق أقمار الاستطلاع والمراقبة، إذ تذكر أن الصين أطلقت 67 قمرا صناعيا قابلا للتشغيل في نطاق الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع في عام 2024، ليتجاوز إجمالي الأقمار الصناعية الصينية في هذا النطاق نحو 500 قمر، مع تحسن القدرة على "مراقبة أصول أمريكية وحليفة"، بل وتوفير معلومات دقيقة عن الأهداف لتمكين الصواريخ بعيدة المدى من الضرب بدقة في أي معركة.
هذه الأقمار الصناعية مزودة بحساسات متنوعة، ما بين البصرية، ومتعددة الأطياف، والرادارية، وتلك التي تلتقط الترددات الراديوية. تنوع هذه العيون الفضائية يسمح للصين بأن ترى الأهداف بطرق مختلفة وفي ظروف مختلفة، سواء في النهار أو الليل أو في وجود الغيوم. من المهم في هذا السياق فهم الدور المهم الذي تلعبه التطورات في تقنيات التصوير وأعداد الأقمار الصناعية، لأنه كلما ازداد العدد يكون تكرار مرور القمر الصناعي أعلى نفس المنطقة أسرع، أي أن متابعة الحشود العسكرية تصبح أقرب إلى فيديو متقطع وليس مجرد لقطات منفصلة متباعدة.
هذا النوع من البنية يتيح لبكين تتبع آثار الحشد الأمريكي في أي مكان، من حركة حاملات الطائرات، إلى انتشار منظومات الدفاع الجوي، وبصمات القواعد الجوية، والتمركزات في دول عدة، يأتي ذلك في سياق مخاوف غربية من نمو صيني سريع في نطاق أقمار الاستطلاع والمراقبة، وبناء منظومة تجعل هذه الأقمار جزءاً من خطة "الرصد ثم التعقب ثم الاستهداف" لا مجرد أعين للرصد، يكفي أن تعرف أنه منذ نهاية عام 2015، نما الوجود الصيني في المدار الأقرب للأرض بنسبة 667% تقريبا.
صور أقمار صناعية تكشف طائرات أمريكية (بلانت لابز)في هذا السياق، تظهر طبقة الفضاء التجاري مرة أخرى، حيث يخشى الأمريكيون من أن قطاع الفضاء التجاري الصيني يتوسع، مع حضور واضح لفكرة دمج العسكري بالمدني. في حرب إيران الحالية ظهر ملمح مهم، فقد أثارت منشورات "غير معتادة في تفصيلها" لشركة صينية تجارية تدعى "ميزار فيجن" اهتمام دوائر الأمن والمتابعة حول العالم. هذه الشركة لم تكتف بالحديث العام عن حشود أمريكية، بل نشرت تحديثات مفصلة خلال الأسابيع الأولى للحرب تضمنت أعدادا وأنواعا محددة من الطائرات على أرض قواعد بعينها، إلى جانب مكوّنات دفاع جوي بأماكنها الدقيقة.
اللافت هنا ليس مجرد وجود صور أقمار صناعية، بل الأسلوب الذي تضمن سردا شبه يومي لتفاصيل تموضع أصول أمريكية، بما يوحي بأن "الاستخبارات التجارية" صارت قادرة على إنتاج قصة عملياتية كاملة من بيانات مفتوحة وصور فضائية، ثم ضخها في المجال العام.
نتحدث هنا عن تفاصيل حساسة، حين تداولت وسائل إعلام تقارير عن صور نشرتها الشركة تظهر وجود 11 مقاتلة من نوع "إف-22" في قاعدة عوفدا جنوب إسرائيل، مع تموضع بطارية باتريوت قرب القاعدة، وهي أمثلة تُبرز كيف يمكن لصورة واحدة عالية الدقة أن تحول شائعة انتشار أو تموضع إلى إثبات بصري قابل للتداول عالميا خلال ساعات.
"اتهم مسؤولون أمريكيون شركة صينية بتزويد الحوثيين بصور أقمار صناعية تساعدهم على استهداف السفن في البحر الأحمر"
هذا ليس جديدا بالمناسبة، فقد أشار مسؤولون أمريكيون في العام الماضي إلى أن شركة أقمار صناعية تجارية صينية، تسمى "تشانغ غوانغ" تدعم الحوثيين بصور أقمار صناعية تساعدهم لاستهداف السفن الحربية الأمريكية والسفن الدولية في البحر الأحمر. كوكبة الشركة من الأقمار الصناعية من فئة "جيلين-1" توسعت سريعا مؤخرا، مع طموح للوصول إلى مئات الأقمار، وهو ما قد يسمح نظريا بإعادة تصوير أي موقع في العالم بوتيرة متكررة جدا. في المنطق العسكري، هذه الكثافة تعني تقليص فجوة الزمن بين مرورين فوق الهدف، وهو عنصر حاسم في تتبع الحشود المتحركة أو تحديث بيانات الاستهداف.
في المقابل، نفت الشركة الصينية هذه الاتهامات ووصفتها بأنها ملفقة وخبيثة، مؤكدة أنها لا تربطها علاقات بالحوثيين وأن نشاطها مدني بالأساس، هذا النفي في النهاية جزء مهم من الصورة، لأنه يعكس أن المجال بات منطقة رمادية، بالنسبة للجميع وليس الصينيين فقط. في النهاية، قد لا تكون الشركة ذات علاقة بالأمر فعلا، وكل ما سبق هو اتهامات ذات غرض سياسي، لكن هذا النوع من التقنيات في النهاية يمكن استخدامه من قبل جهات متعددة في أغراض متنوعة، بحيث يصعب تتبع الأمر وصولا إلى المشغل الرئيسي.
الولايات المتحدة بالطبع لا تقف لتشاهد ما يحدث، فقد أُنشئت قوة الفضاء عام 2019 كجهة مسؤولة عن "السيطرة على الفضاء"، وأضيفت لها مؤخراً مهام تعطيل أنظمة الفضاء المعادية وإضعافها وتدميرها، ويتحدث قادتها الآن بعبارات كانت تعتبر غير مقبولة قبل عقد من الزمن. على سبيل المثال، صرح الجنرال برادلي تشانس سالتزمان، رئيس العمليات الفضائية في قوة الفضاء الأمريكية أمام لجنة المراجعة التابعة للكونغرس بأن التفوق الفضائي هو أمر "يجب أن نكون مستعدين للقتال من أجله".
وأبلغ الجنرال مايكل غيتلين، نائب رئيس العمليات الفضائية، مؤتمر ماك أليس السنوي لبرامج الدفاع، أن شركاء تجاريين قدموا بيانات عن الوضع الفضائي في عرض توضيحي تضمن تحركات منسقة لخمسة أقمار صناعية مختلفة، وقال: "هناك خمسة أجسام فضائية مختلفة تناور حول بعضها البعض، بتزامن تام وتحت سيطرة كاملة. هذا ما نسميه الاشتباك الجوي في الفضاء. إنهم يتدربون على التكتيكات والتقنيات والإجراءات اللازمة لتنفيذ عمليات فضائية مدارية بين الأقمار الصناعية". الصين لم تتحدث عن الأمر، ومن ثم لا سبيل لدينا لتأكيد حدوثه، لكن اللغة التي تم التحدث بها، توحي بأن الأمريكيين يستغلون تلك الادعاءات لتطوير قوة قتالية فضائية فعالة.
والأمر لا يقف عند مجرد التخطيط، حيث تعكس وثيقة "إطار القتال الفضائي" ومفهوم "العمليات الفضائية الديناميكية" انتقال قوة الفضاء الأمريكية نحو بناء قوة مدارية مصممة للعمل في بيئة متنازع عليها، تضم مركبات قادرة على المناورة المستمرة، والاقتراب من مركبات الخصوم، والتزود بالوقود في المدار، وتنفيذ مهام دفاعية أو هجومية خلال الأزمات والصراعات.
وفي يونيو/حزيران 2026، حطمت مهمة "فيكتوس هيز" التابعة لقوة الفضاء الأمريكية الرقم القياسي للإطلاق الفضائي التكتيكي السريع، إذ أطلقت شركة "روكيت لاب" قمرا صناعيا بعد 16 ساعة و42 دقيقة فقط من تلقي أمر الإطلاق. ويعكس هذا النهج سعي الولايات المتحدة إلى امتلاك القدرة على نشر أقمار جديدة سريعا، أو استبدال القدرات المدارية التي قد تتعرض للتعطيل أو التدمير خلال الأزمات، حيث يصبح الطرف القادر على تعويض خسائره المدارية وإعادة بناء شبكاته في أقصر وقت أكثر قدرة على الصمود في صراع فضائي.
منحت قوة الفضاء عقودا بقيمة 3.2 مليار دولار لـ12 شركة أمريكية (أسوشيتد برس)وبالطبع يهيمن على كل ذلك مشروع "القبة الذهبية"، وهو خطة إدارة ترامب لإنشاء درع دفاع صاروخي متعدد الطبقات، يتمثل عنصره الأكثر جذرية في كوكبة متنامية من الصواريخ الاعتراضية في مدار أرضي منخفض، قادرة على ضرب الصواريخ في مرحلة الإطلاق. أصبح البرنامج الآن مشروعا حقيقيا، فقد خصص الكونغرس له مبلغاً أوليا قدره 25 مليار دولار، مرشحة للتصاعد.
وفي أبريل/نيسان 2026 كشفت قوة الفضاء أنها منحت عقودا بقيمة تصل إلى 3.2 مليار دولار لصالح 12 شركة، من بينها سبيس إكس ولوكهيد مارتن وأندوريل ونورثروب غرومان، لإنشاء نماذج أولية لصواريخ اعتراضية فضائية لدمجها في القوة بحلول عام 2028، في هذا السياق قال تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال إن شركة سبيس إكس منحت عقدا إضافيا بقيمة 4.16 مليار دولار لطبقة "تتبع صواريخ وطائرات" مكونة -حسب التكهنات- من 600 قمر صناعي.
"الصين تجهز لحربها الفضائية، والولايات المتحدة تفعل الأمر نفسه"
الصين إذن تجهز لحربها الفضائية، والولايات المتحدة تفعل الأمر نفسه، وما يجعل هذه المنافسة أشد خطورة من سابقتها في الحرب الباردة هو الغياب شبه التام للضوابط، والاتفاقات، وحتى لقاءات الغرف المغلقة التي يمكن أن تنظم الأمور بشكل خفي، وتبقي بعضا من الحدود والخطوط الحمراء بين الفريقين. بمعنى أوضح، الدبلوماسية هنا في أضعف حالاتها، ومع وجود عشرات الآلاف من الأقمار الصناعية المخطط لها خلال هذا العقد من قبل المشروعات الأمريكية والصينية على حد سواء، فإن أي عمل تخريبي في هذا الفضاء، وحتى الحوادث العفوية، تنذر بخطر تناثر الحطام الذي يضرب الجميع.
معاهدة الفضاء الخارجي عمرها تسعة وخمسون عاما، وأصبحت متقادمة تماما، وقد وصلت مفاوضات جنيف بشأن منع سباق التسلح في الفضاء الخارجي إلى طريق مسدود منذ عقود. في هذا السياق، يجسد سيناريو تايوان كل المخاطر، إذ ربما تعتبر بعض الكتابات العسكرية الصينية أن البنية الفضائية الأمريكية الركيزة الأساسية لقوتها في المحيط الهادئ، ومن ثم فهي الهدف الذي يجب إعماؤه أولا، بينما ينظر المخططون الأمريكيون إلى شبكة الأقمار الصناعية الصينية ويتخذون نفس المنطق، لكن بشكل معكوس.
لذلك، يستعد كلا الجانبين لحرب تم التجهيز لها بالفعل، قد تبدأ، في أي لحظة، وبشكل غير مرئي، بالتشويش والخداع والاختراقات الإلكترونية وانجراف الأقمار الصناعية نحو بعضها البعض، يحاول خلالها كل طرف تدمير البنية التحتية الفضائية للآخر، فيعمي عينيه القابعة في الأعالي. وفي ليلة واحدة فقط، بل وفي غضون ساعات قليلة، قد يشتعل كل شيء في صمت تام تاركا مخلفات فضائية ستطارد البشرية لمئات السنين القادمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة