في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في يونيو/حزيران 2007، أعلنت النشرة الوبائية التايوانية عن نتائج تحقيق ميداني لافت عن مجموعة إصابات بالحمى النزفية على متن سفينة تابعة للبحرية، الواقعة نفسها بدأت قبل ذلك بعام، حين أُصيب ثلاثة عسكريين كانوا يخدمون على السفينة نفسها، ثم تبين أن العامل المسبب هو فيروس هانتا من نوع سيول.
أهمية القصة أنها تمثل نموذجا واضحا لكيف يمكن لسفينة مغلقة، مع وجود جرذان مصابة، أن تصبح بيئة انتقال لفيروس هانتا لا عبر البحر نفسه، بل عبر فضلات القوارض داخل المكان المغلق.
لفهم الواقعة، يجب أولا فصل فيروس سيول عن أنواع أخرى من الهانتا، ففيروس سيول يرتبط أساسا بالجرذ النرويجي أو البني، وقد يرتبط أيضا بالجرذ الأسود، وينتقل إلى البشر عادة عند استنشاق جسيمات دقيقة ملوثة ببول أو براز أو لعاب الجرذان المصابة.
وهذا يختلف عن فيروس أنديز في أمريكا الجنوبية، الذي يملك قدرة نادرة على الانتقال المحدود بين البشر، والذي رصدت حالاته في سفينة "إم في هوندياس" وأثارت قلقا عالميا مؤخرا.
في حالة تايوان، لم يكن المرض صورة رئوية حادة كالتي تشتهر بها بعض فيروسات الهانتا في الأمريكتين، بل كان من نمط يتعلق بالكلى، هذا النمط قد يبدأ بحمى وآلام عامة وصداع وغثيان، ثم تظهر اضطرابات كلوية ونقص صفائح وربما نزف أو هبوط ضغط في الحالات الأشد.
وقد عرضت النشرة التايوانية هذا التمييز بوضوح بين المتلازمة الكلوية المرتبطة غالبا بفيروسات "العالم القديم" وبين المتلازمة الرئوية المرتبطة أكثر بفيروسات "العالم الجديد".
أخذت السلطات عينات مصلية من الحالات الثلاث، فكانت كلها إيجابية للأجسام المضادة ضد فيروس هانتا من نوع سيول، ثم وسع المحققون الدائرة، وفحصوا ستة من أفراد عائلات المصابين و84 شخصا آخرين خدموا على السفينة، وكانت النتائج سلبية للأجسام المضادة.
ما سبق جعل فرضية الانتقال الواسع بين البشر ضعيفة جدا، وأكد فرضية الانتقال من الفئران، هذا على عكس عينات السفينة السياحية "إم في هوندياس"، حيث وجد العلماء فيروس هانتا أنديز.
بعد ذلك انتقل التحقيق إلى البيئة، حيث وضعت مصائد في السفينة وحول ميناءين مرتبطين بحركة السفينة ومنشأة صيانة، وعثر على جرذان من أنواع مختلفة، لكن المهم أن جرذانا نرويجية التقطت على السفينة كانت إيجابية لفيروس هانتا من نوع سيول، كما عثر على الفيروس في جرذان مرتبطة بالموانئ. في المجموع، ذكر التحقيق أن خمسة جرذان كانت إيجابية لفيروس سيول، وأن الفيروس كان مطابقا لما وُجد في الحالات البشرية.
لا تعد السفينة "ناقلا سحريا" للفيروس، لكنها قد تجمع ثلاثة شروط خطرة، وهي مكان مغلق، ومخازن طعام، وشقوق أو مساحات خفية تسمح للقوارض بالاختباء.
إذا دخلت جرذان مصابة إلى هذه البيئة، فإن فضلاتها قد تجف وتتحول إلى غبار دقيق، ثم تُثار أثناء التنظيف أو الحركة أو الصيانة، فيستنشقها الإنسان، ولهذا تؤكد مراجع الصحة العامة أن الخطر لا يأتي عادة من رؤية الجرذ فقط، بل من التعامل غير الآمن مع فضلاته أو أماكن تعشيشه.
لذلك تؤكد معايير الصحة العامة دائما على الاهتمام الشديد بتطهير الأماكن المغلقة مثل السفن، ليس لأن الفئران والجرذان داخلها أخطر، فكلها يمكن أن تنقل العدوى، بل لأن طبيعة المكان نفسه تسهل نقل العدوى.
لا تتحرك الفئران والجرذان نحو البشر مصادفة، بل كثيرا ما يدفعها البشر أنفسهم إلى ذلك. فحين تتوسع المدن على حساب الحقول والغابات، وتُقطع الموائل الطبيعية، وتزداد المخلفات الغذائية حول الموانئ والمخازن والمساكن، تجد القوارض بيئات جديدة أكثر دفئا وغذاء وأمنا.
هنا تصبح المسافة بين الإنسان والحيوان البري أقصر، وتتحول أطراف المدن، والعشوائيات، والمزارع، والسفن، إلى مناطق تماس يومية بين البشر والكائنات الحاملة للفيروسات.
هذه هي الفكرة المركزية في علم الأمراض حيوانية المنشأ، فالوباء لا يبدأ فقط من "فيروس خطير"، بل من تغيير بيئي واجتماعي يفتح له الطريق.
ويربط برنامج الأمم المتحدة للبيئة ظهور الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان بعوامل بشرية مثل تغير استخدام الأراضي، والتوسع الزراعي، والتمدن، والتجارة، والسفر، وتغير المناخ.
كما تذهب تقارير بحثية عدة إلى أن الأسباب العميقة للجوائح هي نفسها التي تدفع فقدان التنوع الحيوي وتغير المناخ، وعلى رأسها تغيير استخدام الأرض والتوسع في الأنشطة البشرية.
في حالة الهانتا تحديدا، تصبح القصة أوضح. فالفيروس لا ينتقل عادة لأن الفأر هاجم الإنسان، بل لأن الإنسان دخل حيزا ملوثا ببول أو براز أو لعاب القوارض، أو حرّك غبارا ملوثا في غرفة مغلقة أو مخزن أو قبو أو سفينة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة