كشفت دراسة علمية جديدة أن كوكبي الأرض والمريخ ربما تشكلا من المصدر الكوني نفسه تقريبا، في نتيجة قد تغيّر فهم العلماء لتاريخ تشكل النظام الشمسي. وتشير الدراسة إلى أن المواد التي بُنيت منها الأرض جاءت بصورة شبه كاملة من المنطقة الداخلية للنظام الشمسي، مع مساهمة ضئيلة جدا -أو معدومة- من المواد القادمة من خارج مدار كوكب المشتري.
وتعطي هذه النتائج صورة أكثر وضوحا عن البنية المبكرة للقرص الكوكبي الأولي الذي نشأت منه الكواكب قبل نحو 4.5 مليارات سنة. كما تساعد في فهم كيفية توزيع العناصر المتطايرة مثل الماء، ودور الكواكب العملاقة في تشكيل الكواكب الصخرية القريبة من الشمس.
نُشرت الدراسة في مجلة "نيتشر أسترونومي" (Nature Astronomy)، واعتمدت على تحليل دقيق للتركيب الكيميائي والنظائري لعينات نيزكية قديمة.
والنظائر هي أشكال مختلفة للعنصر نفسه، لكنها تحمل بصمات كيميائية تسمح للعلماء بتحديد المنطقة التي جاءت منها المواد الأصلية. ومن خلال استخدام أسلوب إحصائي متقدم يعرف باسم تحليل العوامل الخطية، تمكن العلماء من تتبع أصول المواد التي شكلت الكواكب الصخرية.
وأظهرت النتائج أن أقل من 2% فقط من كتلة الأرض قد تكون جاءت من النظام الشمسي الخارجي وربما لم تصل أي مواد من هناك أساسا. وقال سوسي إن الدراسة تمثل "تجربة في علم البيانات" أكثر من كونها مجرد تحليل جيوكيميائي تقليدي، مؤكدة أن هذه الأدوات الإحصائية نادرا ما تُستخدم في الجيوكيمياء رغم فعاليتها الكبيرة.
وتشير الدراسة إلى أن كوكب المشتري ربما لعب دورا حاسما في عزل النظام الشمسي الداخلي عن الخارجي خلال المراحل الأولى من تشكل الكواكب. فبفضل جاذبيته الهائلة، أحدث المشتري فجوة داخل قرص الغبار الكوني المحيط بالشمس الفتية، ما منع اختلاط المواد القادمة من المناطق البعيدة بالمواد الداخلية.
ويرى الباحثون أن هذا الحاجز الجاذبي ساهم في تحديد طبيعة الكواكب الصخرية مثل الأرض والمريخ والزهرة وعطارد، ومنع انتقال كميات كبيرة من الجليد والمواد الخارجية إليها.
كما أوضح دان باور أن الدراسة اعتمدت بصورة أساسية على البيانات الرصدية، دون افتراضات معقدة حول العمليات الفيزيائية غير المفهومة بالكامل، ما يمنح النتائج قوة علمية إضافية.
واحدة من أبرز نتائج الدراسة هي التشابه الكبير بين التركيب الكيميائي للأرض والمريخ، إضافة إلى تقارب محتمل مع الزهرة وعطارد، ويرى العلماء أن الكواكب الصخرية الداخلية ربما تشكلت جميعها من "خزان محلي" ثابت من المواد داخل النظام الشمسي الداخلي.
ويمنح هذا الاكتشاف العلماء فرصة أفضل للتنبؤ بالتركيب الداخلي للكواكب التي لا تزال بياناتها محدودة، مثل الزهرة وعطارد. كما يفتح الباب أمام إعادة تقييم النماذج الحالية الخاصة بتشكل الكواكب ونشوء البيئات القابلة للحياة.
ويؤكد الباحثون أن النقاش العلمي حول "لبنات بناء الأرض" لا يزال بعيدا عن الحسم، لكن الدراسة الحالية تضيف قطعة مهمة إلى أحجية نشأة العالم الذي نعيش عليه، وربما تفسر أيضا لماذا يبدو المريخ، رغم اختلافه الحالي، أقرب إلى الأرض مما تصورناه سابقا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة