آخر الأخبار

شيخوخة مبكرة أصابت لوحة سلفادور دالي الشهيرة.. والسبب مفاجأة كيميائية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

على مدار عقود، لاحظ الخبراء أن بعض أجزاء اللوحة الشهيرة "فتنة القديس أنطونيوس" للفنان الإسباني سلفادور دالي، أصبحت أكثر شفافية، وصار سطحها خشنا ومتشققا، وفيها لمعان غير متساو.

وتستلهم اللوحة موضوعها من القصة الدينية للقديس أنطونيوس، الذي عاش في مصر بالقرن الثالث والرابع الميلاديين، والمشهور عنه اعتزاله العالم ليتفرغ للعبادة والصلاة في الصحراء، غير أنه واجه إغراءات دنيوية قاسية أثناء عزلته، ليحولها دالي إلى مشهد بصري مدهش يمزج بين الواقع والخيال، حيث تظهر في اللوحة كائنات غريبة، أبرزها أفيال ذات أرجل طويلة وهشة تحمل على ظهورها رموزا للسلطة والثروة، في مواجهة إصرار القديس.

وظهرت مشاكل اللوحة في الأجزاء التي تظهر فيها شخصية القديس أنطونيوس، والأفيال ذات الأرجل الطويلة والعناصر المعمارية، وجادل البعض أنها ليست عيوبا في اللوحة، وربما تكون شكلا سرياليا أراده الفنان، لكن البعض الآخر رأى أنه تدهور طبيعي حدث في اللوحة المرسومة عام 1946، بفعل عوامل الزمن.

ولحسم هذا الجدل، استخدم الفريق البحثي من جامعة لييغ في بلجيكا تقنيات متقدمة جدا، مثل التصوير بالأشعة فوق البنفسجية، والتحليل بالأشعة السينية، والتحليل الكيميائي الدقيق للطبقات اللونية، كما قارنوا صورا قديمة للوحة (1947 و1965)، وكانت المفاجأة الكبرى أن الباحثين أثبتوا أن اللوحة أصابتها "شيخوخة مبكرة"، وليس بسبب عوامل الزمن الطويل، حيث بدأ التدهور أثناء جفاف طلاء اللوحة وتصلبه، أي أن "الخلل" كان موجودا منذ البداية تقريبا.

مصدر الصورة كشفت الأشعة فوق البنفسجية عن تغيرات دقيقة في اللوحة (جامعة لييغ)

ثلاثة أسباب للتدهور

وعزت الدراسة المنشورة بدورية "هيرتغ" (Heritage) هذا التدهور المبكر إلى 3 أسباب كيميائية اجتمعت معا، وهي حدوث تفاعل كيميائي بين طبقات الألوان، واستخدام دالي للعنبر "الراتنج أو الصمغ" كمادة فنية، وأخيرا تعرض اللوحة لبيئة غنية بالكلور.

إعلان

وكشف بيان أصدرته جامعة لييغ تفاصيل تلك العوامل الثلاثة، حيث وجدوا فيما يتعلق بالتفاعل الكيميائي بين الطبقات أن المناطق المتضررة تحتوي على صبغة اسمها أكسيد الزنك، توضع فوق طبقات أخرى مثل الرصاص الأبيض، وهذا التفاعل بين الطبقات أدى إلى ضعف الترابط، وتشققات، وفقدان المادة الرابطة.

وكان الاكتشاف الأكثر إثارة هو أن دالي كان يستخدم العنبر كمادة لخلط الألوان، لكن المفاجأة أن هذا العنبر ساهم في تدهور اللوحة بدلا من حمايتها، خاصة في الطبقات العليا من الطلاء.

أما عن التلوث بالكلور على اللوحة، فقد كان التفسير المرجح أنها تعرضت لبيئة بحرية (أثناء نقلها عبر المحيط)، وربما كانت لا تزال تجف وقتها، ما سمح بتفاعل الكلور مع المواد داخلها.

والخبر الجيد في هذه الدراسة بعد أن رصدت أسباب "الشيخوخة المبكرة" للوحة، هو أن التدهور توقف واستقر، ولا يوجد خطر حالي، ويمكن عرض اللوحة للجمهور بشكل طبيعي.

دور فني للكيمياء

تلعب الكيمياء اليوم دورا حاسما في كشف الأسرار الخفية داخل اللوحات الفنية؛ فهي لا تكتفي بتفسير أسباب التدهور، بل تساعد أيضًا في معرفة المواد التي استخدمها الفنان، وكيف بُنيت طبقات اللون، وما إذا كانت بعض الظواهر ناتجة عن قصد فني أم عن تفاعلات لاحقة غير مقصودة.

ومن خلال تقنيات مثل الأشعة السينية، والتحليل الطيفي، والتصوير فوق البنفسجي وتحت الأحمر، يستطيع العلماء قراءة اللوحة كما لو كانت وثيقة مادية متعددة الطبقات، لا مجرد صورة معلقة على الجدار.

مثال آخر لافت على دور الكيمياء جاء من دراسة عن لوحة جاكسون بولوك "نامبر 1إيه"، حيث نجح الباحثون في حل لغز اللون الأزرق الفيروزي فيها في عام 2025.

فقد استخدموا تقنيات ليزرية وتحليلا جزيئيا لتحديد الصبغة على أنها "الأزرق المنغنيزي"، وهي صبغة صناعية ظل وجودها في اللوحة غير محسوم لفترة طويلة. هذا الاكتشاف لم يضف فقط معلومة عن خامات بولوك، بل ساعد أيضًا في فهم طريقته في العمل، ويفيد في جهود الترميم والتوثيق وكشف التزوير.

لهذا يمكن القول إن الكيمياء أصبحت شريكا أساسيا لمؤرخي الفن، لأنها تكشف ما لا يراه النقد البصري وحده، من تاريخ المادة، وشيخوخة اللون، وخيارات الفنان، وحوادث الزمن. فاللوحة ليست مجرد موضوع جمالي، بل نظام كيميائي حي يواصل التغير بعد أن يغادر الفنان مرسمه بسنوات طويلة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار