كشفت دراسة جديدة عن دور محتمل ليرقات ذبابة الجندي الأسود في معالجة النفايات العضوية والحد من بعض الفيروسات الموجودة فيها، في نتيجة قد تفتح الباب أمام استخدام هذه الحشرات الصغيرة كجزء من حلول أكثر أمانا واستدامة لإدارة النفايات، حسب الدراسة التي نشرت يوم 4 مارس/آذار في مجلة "رسائل علوم وتكنولوجيا البيئة" (Environmental Science & Technology Letters).
ركز الباحثون على تحليل الفيروسات الموجودة في النفايات العضوية وكيف تتغير في أثناء معالجتها بواسطة يرقات ذبابة الجندي الأسود. وتستخدم هذه اليرقات بالفعل في عدد متزايد من المشاريع حول العالم لتحويل النفايات إلى منتجات مفيدة مثل الأعلاف الحيوانية والأسمدة.
يشرح المؤلف الرئيسي للدراسة تشي جيان شي، وهو الباحث في التقانة الحيوية في جامعة تشنغدو للتكنولوجيا في الصين، أن هذه التقنية المقترحة تعتمد على قدرة يرقات الذبابة على استهلاك كميات كبيرة من النفايات العضوية، مثل بقايا الطعام أو المخلفات الزراعية، وتحويلها بسرعة إلى كتلة حيوية غنية بالبروتين يمكن استخدامها في تغذية الحيوانات، إلى جانب إنتاج مادة تعرف باسم الفراس، وهي بقايا المعالجة التي يمكن استخدامها لاحقا كسماد عضوي للتربة.
وحسب شي، في تصريحات للجزيرة.نت، لاقت هذه التقنية اهتماما متزايدا في السنوات الأخيرة، خصوصا في إطار ما يعرف بالاقتصاد الدائري، الذي يهدف إلى إعادة استخدام الموارد وتقليل كمية النفايات التي تنتهي في مكبات القمامة.
لكن رغم هذا الاهتمام المتنامي، ظل سؤال مهم مطروحا بين الباحثين: ماذا يحدث للفيروسات الموجودة في النفايات أثناء هذه العملية؟ فالنفايات العضوية – خصوصا تلك القادمة من مصادر بشرية أو حيوانية – قد تحتوي على فيروسات مرتبطة بالصحة العامة، وهو ما يثير مخاوف بشأن سلامة استخدام المنتجات الناتجة عن هذه المعالجة.
للإجابة عن هذا السؤال، استخدم الباحثون مجموعة من التقنيات الجزيئية المتقدمة لتحليل التنوع الفيروسي داخل النظام البيئي للنفايات المعالجة باليرقات. "من بين هذه التقنيات الميتاترانسكريبتومكس، وهي طريقة تسمح بدراسة جميع الجزيئات الوراثية النشطة في عينة معينة، إضافة إلى اختبار مخبري دقيق يعرف باسم آر تي-كيو بي سي آر، وهو اختبار يستخدم للكشف عن المادة الوراثية للفيروسات وقياس كميتها" يقول الباحث.
ومن خلال هذه التحليلات، تمكن الفريق البحثي من رصد مجموعة واسعة من الفيروسات الموجودة في النفايات، بما في ذلك فيروسات تصيب البكتيريا والفطريات والنباتات والحشرات، بل وحتى فيروسات مرتبطة بالبشر. ويعكس هذا التنوع ما وصفه الباحثون في الدراسة بـ"التعقيد البيئي الكبير للفيروسات في النفايات العضوية".
كما كشفت التحليلات عن وجود أنواع فيروسية لم تسجل سابقا في قواعد البيانات العلمية، ما يشير إلى أن النفايات العضوية قد تمثل بيئة غنية بفيروسات لا تزال غير معروفة علميا.
من بين أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة، هو أن معالجة النفايات باستخدام يرقات ذبابة الجندي الأسود يمكن أن تؤدي إلى انخفاض ملحوظ في كمية الحمض النووي الريبي (آر إن إيه) لبعض الفيروسات أثناء عملية التحويل الحيوي. فعلى سبيل المثال، أظهرت النتائج أن مستويات بعض الفيروسات المرتبطة بصحة الإنسان، مثل فيروس النورو والأستروفيروس، انخفضت بشكل كبير خلال عملية المعالجة.
وتشير هذه النتائج إلى أن استخدام اليرقات قد يسهم في تقليل المخاطر الصحية المرتبطة بالنفايات العضوية، وهو جانب مهم في حال استخدام هذه التقنية على نطاق واسع.
ورغم هذه النتائج المشجعة، لاحظ الباحثون أن بعض الفيروسات الأخرى يمكن أن تظل موجودة في المادة المتبقية بعد المعالجة، مثل فيروسات تنتمي إلى عائلة بيكوبيرنا فيروس؛ ولهذا يحذر الفريق من تفسير النتائج بطريقة مبسطة، إذ إن انخفاض كمية المادة الوراثية للفيروسات لا يعني بالضرورة أنها فقدت قدرتها على العدوى.
وأشار الفريق إلى أن انخفاض مستويات الحمض النووي الريبي لا يعني بالضرورة انخفاض خطر العدوى الفيروسية، وهو ما يشير إلى الحاجة لإجراء اختبارات إضافية لمعرفة ما إذا كانت هذه الفيروسات ما زالت قادرة على إصابة الكائنات الحية.
كما أظهرت الدراسة أن تركيب الفيروسات داخل اليرقات يتأثر بنوع النفايات التي تتغذى عليها، ما يعني أن مصدر النفايات يلعب دورا مهما في تشكيل التنوع الفيروسي داخل النظام البيئي للمعالجة. فبعض الفيروسات تأتي مباشرة من النفايات نفسها، في حين قد ينشأ بعضها الآخر داخل اليرقات أو في البيئة الميكروبية المرتبطة بها، في وضع وصفه الباحثون بأنه تفاعل معقد بين مصادر فيروسية داخلية وخارجية.
وتشير النتائج إلى أن استخدام يرقات ذبابة الجندي الأسود قد يمثل استراتيجية واعدة لتقليل الفيروسات في النفايات العضوية، إلى جانب تحويل هذه النفايات إلى منتجات مفيدة مثل الأعلاف الحيوانية والأسمدة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة