في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تحتاج الدول المتشاطئة على نهر واحد إلى تعاون دائم وتبادل للمعلومات لضمان التوزيع العادل للمياه بين الجميع.
لكن عندما يختفي هذا الوضع المثالي من التعاون، لا سيما في حالات الخلاف المحتدم التي تطفو على السطح عند إنشاء دول المنبع للسدود الكبيرة والمعقدة، فهل يصبح حينها الحصول على المعلومات أمرا مستحيلا بحيث لا تعرف دول المصب حجم المياه التي تحجزها دول المنبع؟
تقول دراسة نشرتها دورية "إنفايرونمينتال موديلينغ أند سوفتوير" (Environmental Modelling & Software) إن هذا الوضع من الحجب لم يعد ممكنا، وذهبت بالتطبيق على حالة سد النهضة الإثيوبي إلى أن المعلومات المتعلقة بحجم المياه المخزنة فيه لم تعد سرا.
ووثقت تلك الدراسة التي أعدها الدكتور علاء مسعود من مختبر الاستشعار عن بعد بقسم الجيولوجيا في كلية العلوم بجامعة طنطا (شمال القاهرة) لإمكانية استخدام تقنية مبتكرة لمراقبة كمية المياه في سد النهضة باستخدام صور الأقمار الصناعية، بحيث "يصبح كتابا مفتوحا من الفضاء".
وتستخدم التقنية برنامجا ذكيا للرصد الآلي لمساحات ومستويات المياه السطحية يعمل على منصة "غوغل إيرث إنجين" (Google Earth Engine) لمعالجة البيانات بشكل تلقائي، ما يجعل المراقبة سريعة ودقيقة ومجانية.
والبيانات التي عالجها البرنامج هي الصور البصرية التي يتيحها قمر وكالة الفضاء الأوروبية "سنتينل 2" والأقمار الأمريكية "لاندسات 8 و9″، والصور الرادارية التي يوفرها القمر الأوروبي "سنتينل 1 إيه"، وصور "نموذج الارتفاعات الرقمية" المأخوذة من رادار "بالسار" على القمر الصناعي الياباني المتقدم لمراقبة الأرض (آلوس).
ويقول الدكتور مسعود لـ "الجزيرة نت" إن "لكل قمر من هذه الأقمار ميزة، ووظيفة البرنامج أنه يستفيد من المزايا ويتجنب العيوب، لإجراء معالجة شاملة للصور لإعطاء بيانات دقيقة تماثل الواقع على الأرض".
وتظهر صور "سنتينل 2″ و"لاندسات 8 و9" الأرض كما تراها العين، بما في ذلك النباتات والمسطحات المائية، وتستخدم لتحديد مساحة المياه والغطاء النباتي، أما الصور الرادارية التي يوفرها القمر "سنتينل 1 إيه"، فهي مثالية لتحديد المياه حتى في الأيام الغائمة، لأن إنتاجها يعتمد على إرسال موجات رادار ورصد انعكاسها من الأرض، وتعمل ليلا ونهارا وتخترق الغيوم، و"نموذج الارتفاعات الرقمية" يوفر خريطة ثلاثية الأبعاد لارتفاعات الأرض، ويستخدم لحساب ارتفاع المياه عند حواف السد وتحويل مساحة السطح إلى كمية المياه المخزنة.
ويشرح مسعود كيفية عمل البرنامج، والذي يقوم في البداية بإزالة الغيوم والظلال من الصور البصرية، وتصحيح التشويش أو الضوضاء في الصور الرادارية، والهدف من ذلك هو الحصول على صور واضحة وجاهزة للتحليل.
بعد ذلك، تأتي الخطوة الثانية، حيث يحاول معرفة أين الماء وأين اليابس في كل صورة، ويستخدم في الصور البصرية مؤشرات مثل "مؤشر الفرق المعياري للمياه" الذي يحدد المياه بدقة، و"مؤشر الفرق المعياري للغطاء النباتي" الذي يميز النباتات واليابس عن الماء، أما في الصور الرادارية فيستخدم اختلاف انعكاس الموجات الرادارية لتوضيح إذا كانت المنطقة ماء أم لا.
وانعكاس الموجات الرادارية هو قياس كمية الموجات الرادارية التي تنعكس من سطح الأرض إلى القمر الصناعي بعد أن تصطدم بالأرض أو الماء أو النباتات، ويستخدم لذلك قياسات لاتجاه اهتزاز موجة الرادار أثناء انتقالها، وهي "إرسال عمودي واستقبال عمودي (في في)"، أي أن الرادار يرسل موجة عمودية ويرصد الموجة المنعكسة بنفس الاتجاه، و"إرسال عمودي واستقبال أفقي (في إتش)"، أي أن الرادار يرسل موجة عمودية ويرصد الموجة المنعكسة بشكل أفقي، وهذا يبين إذا كانت المنطقة ماء أم لا.
وتكون النتيجة في تلك المرحلة الثانية من المعالجة أن لدينا بيانات توفر خريطة يومية للمياه في السد من مصادر متنوعة.
وتأتي بعد ذلك، المرحلة الثالثة، وهي جمع كل الخرائط الناتجة من المصادر المختلفة في خريطة واحدة، فإذا كانت الصورة البصرية واضحة، يتم الاعتماد عليها، وإذا كانت غائمة أو مظلمة، يتم الاعتماد على الصور الرادارية، وبهذه الطريقة، يمكن الحصول على خريطة دقيقة وشبه لحظية لمساحة المياه بغض النظر عن حالة الطقس.
وبعد رسم حدود المياه في الخريطة، تأتي الخطوة الرابعة حيث يقوم البرنامج بمقارنة هذه الحدود مع نموذج الارتفاعات الرقمية، وبذلك، يعرف البرنامج ارتفاع الماء عند كل نقطة على السد، وباستخدام معلومات مساحة المياه وارتفاعها، يمكن حساب كمية المياه المخزنة بدقة، وبالتالي يمكن متابعة هذه البيانات يوميا أو أسبوعيا لمعرفة التغيرات بسرعة.
وباستخدام هذه المنهجية تمكن الدكتور مسعود من متابعة خمس مراحل ملء للسد بشكل شبه يومي، ورسم حدود المياه في كل مرحلة، وحساب كمية المياه المخزنة بدقة لكل مرحلة ملء.
وأظهر كيف ازدادت المياه تدريجيا مع كل مرحلة ملء، وكيف يمكن مستقبلا التنبؤ بالمساحات والكميات المستقبلية خلال فترات التخزين.
وتأكد الدكتور مسعود من دقة البيانات التي وفرتها هذه الأداة المجانية، وذلك بمقارنة نتائج البرنامج الذكي على منصة غوغل إيرث إنجين مع قياسات ارتفاع المياه عبر الأقمار الصناعية المتخصصة، مثل أقمار المراقبة العالمية للسدود والبحيرات.
وأظهرت المقارنة أن مساحة المياه وارتفاعها التي حسبها البرنامج المجاني كانت متوافقة بشكل كبير مع بيانات الأقمار المتخصصة.
ويقول: "نحن أمام أداة مجانية تتيح تحديث المعلومات بشكل قريب من الوقت الفعلي ما يوفر متابعة دقيقة ومستمرة، لحركة المياه في سد النهضة".
ويضيف: "هذا العمل نموذج لكيف يمكن للبحث العلمي أن يكون مفيدا في توفير أداة قوية لصانع القرارات المائية، تساعده على متابعة شبه لحظية لمستويات المياه، لمراقبة التزام الجانب الإثيوبي بالحصة السنوية من المياه المقدرة بـ 55.5 مليار متر مكعب من المياه".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة