آخر الأخبار

الكيمياء تؤكد أن مدينة الإسكندرية سبقت قدوم الإسكندر الأكبر إلى مصر

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أضاف انتشال تمثال من الكوارتز على هيئة أبي الهول، منقوش عليه اسم التتويج للملك رمسيس الثاني، من ميناء أبو قير بالإسكندرية قبل أيام، دليلا تاريخيا جديدا، يدعم ما ذهب إليه علماء فرنسيون في علم "الجيوأركيولوجي" أو علم الآثار الجيولوجي، قبل نحو 19 عاما، من أن وجود مدينة الإسكندرية سبق قدوم الإسكندر الأكبر إلى مصر.

ويستخدم "الجيوأركيولوجي" تقنيات وطرق علوم الأرض (مثل دراسة التربة والرسوبيات والمناخ القديم) لفهم مواقع وآثار الإنسان وعلاقته بالبيئة الطبيعية عبر التاريخ، ووظف الباحثون آلان فيرون وزملاؤه كريستوف مورانج ونيك مارينير من جامعة إيكس-مارسيليا (فرنسا)، إحدى هذه الأدوات وهي الرسوبيات، لإثبات وجود نشاط بشري في مدينة الإسكندرية يسبق قدوم الإسكندر الأكبر، وأعلنوا عن نتائجهم في عام 2006 بدورية "جيوفيزيكال ريسيرش ليترز".

والحديث عن أن الإسكندر الأكبر لم يؤسس مدينة الاسكندرية من العدم ليس حديثا، فسبق أن تناولت كتابات لمؤرخين مثل بلوتارخ وأريانوس هذه الحقيقة، وذكروا أن الإسكندر الأكبر عندما وصل إلى ساحل مصر في شتاء عام 331 ق.م، اختار الموقع القريب من قرية قديمة اسمها "راكوطيس"، وقرر أن يؤسس فيه مدينة الإسكندرية، لكن لم يكن هناك دليل مادي يدعم هذا الكلام.

مصدر الصورة اسم التتويج للملك رمسيس الثاني، منقوش على التمثال الذي تم انتشاله من ميناء أبو قير بالإسكندرية (وزارة السياحة والآثار المصرية)

الرصاص.. بصمة النشاط البشري

وقدم آلان فيرون ورفاقه هذه الدليل من رواسب قاع خليج الإسكندرية باستخدام التحليل الجيوكيميائي، وكانت فكرتهم أن أي نشاط بشري (مثل الصناعة أو صهر المعادن) يخلف تلوثا بالرصاص، ومن ثم فإن العثور على مستويات عالية من الرصاص في طبقات رسوبية معينة، يعني أن هناك أنشطة بشرية كبيرة تثبت أن الإسكندر لم يؤسس المدينة من العدم، وهو ما حدث بالفعل.

إعلان

وأظهرت نتائج هذه الدراسة، أن الرسوبيات التي تشير إلى عصر الدولة القديمة (حوالي 2500 – 2300 ق.م) ارتفعت فيها نسب الرصاص إلى مستويات ملحوظة، حيث وصل عامل الإثراء الى حوالى 5.3، بتركيز تجاوز 6 أجزاء في المليون، مقابل أن التركيز الطبيعي هو 2 الى 3 في المليون، وهو ما يعكس بداية نشاط بشري وصناعي مبكر في المنطقة.

وعامل الإثراء، هو مقياس يستخدمه العلماء لمعرفة ما إذا كان تركيز عنصر معين (مثل الرصاص أو النحاس أو الزنك) في التربة أو الرسوبيات يرجع إلى مصادر طبيعية أم بسبب نشاط بشري (تلوث صناعي أو معدني)، ويتم حسابه بمقارنة تركيز العنصر (مثلا الرصاص) في العينة مع تركيزه الطبيعي، فإذا كان العنصر في العينة أعلى بكثير من المستوى الطبيعي، فهذا يعني أن النشاط البشري لعب دورا في زيادته.

وارتفعت مؤشرات هذا العنصر في فترة الرعامسة من الدولة المصرية الحديثة (ما بين 1000–800 ق.م تقريبا)، حيث وصلت نسب عامل إثراء الرصاص إلى ما بين 6 و7، بتركيز يقارب 20 جزءا في المليون، وهو ما يتوافق تماما مع ازدهار عهد رمسيس الثاني وخلفائه وما ارتبط به من نشاط بحري وصناعي في منطقة الإسكندرية.

أما بعد عام 331 ق.م، وهو التاريخ الذي ارتبط باسم الإسكندر الأكبر كمؤسس لمدينة الإسكندرية، فقد قفزت نسب الرصاص بشكل هائل، إذ ارتفع التركيز من 2 – 6 أجزاء في المليون قبل التأسيس إلى أكثر من 200 جزء في المليون بعده مباشرة، قبل أن يصل في العصر الروماني (100–300 ميلادية) إلى مستويات قياسية قاربت 600 جزء في المليون، وهي من أعلى القيم التي وُثقت في موانئ العالم القديم.

مصدر الصورة وجود مدينة الإسكندرية سبق قدوم الإسكندر الأكبر إلى مصر (الجزيرة)

مدينة ضاربة في القدم

ويقول جمال العشيبي ، باحث ما بعد الدكتوراه في مجال الأركيولوجي بجامعة إكس-مرسيليا بفرنسا للجزيرة نت: " ربما لم تكن الإسكندرية قبل الإسكندر الأكبر بالمدينة العظيمة التي نعرفها اليوم، لكنها كانت على الأرجح قرية أو مركزا ساحليا صغيرا له جذور فرعونية ضاربة في القدم، ويبدو أن دور الإسكندر الأكبر كان إعادة تخطيط هذا الموقع وتوسيعه وتنظيمه عمرانيا، قبل أن يُطلق عليه اسمه فيما بعد، لتصبح الإسكندرية إحدى أكبر مدن البحر المتوسط".

ويرى أن الاكتشاف الأخير هو تأكيد لما جاء في دراسة آلان فيرون، ويقول للجزيرة نت "الاكتشاف المنسوب إلى رمسيس الثاني، ليس معزولا، بل ينسجم تماما مع الأدلة الجيوأركيولوجية والجيوكيميائية التي تؤكد أن الإسكندرية نشأت فوق إرث مصري سابق".

واعتبر المؤرخ وكاتب علم المصريات بسام الشماع الاكتشاف الأخير لوزارة الآثار في ميناء أبو قير دليلا ماديا آخر يضاف إلى الدليل الجيوكيميائي، وقال في تصريحات للجزيرة نت، إن " فترة رمسيس الثاني، اشتهرت بأنها فترة نشاط صناعي وبشري، لذلك فإن العثور على تمثال من الكوارتز منقوش عليه اسم التتويج للملك رمسيس الثاني في ميناء أبو قير، يدعم ما ذهبت إليه دراسة آلان فيرون ورفاقه، من أن الاسكندر لم يوجد مدينة الإسكندرية من العدم".

تعزيز الفرضية.. دراسات إضافية

وكان الباحث آلان فيرون، هو الأكثر سعادة بالاكتشاف الأخير، وقال للجزيرة نت إنه "يرتبط ارتباطا واضحا بأبحاثه السابقة"، مشيرا إلى أن ما توصل إليه من بيانات كيميائية وبيئية يتماشى مع فكرة وجود استيطان بشري في المنطقة منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

إعلان

وأوضح فيرون أن تعزيز هذه الفرضية يتطلب الحصول على عينات رسوبية جديدة بدقة زمنية أعلى، بحيث يمكن دمجها مع البيانات الكيميائية والبيئية المستقلة. وأشار إلى أن بحيرة مريوط تمثل موقعا واعدا لمثل هذه التحقيقات، نظرا لقدرتها على حفظ ترسيبات أوضح وأكثر تفصيلا.

وبشأن إمكانية مقارنة الطبقات الرسوبية التي خضعت للتحليل الكيميائي مع الطبقات في موقع الاكتشاف الحديث، أكد فيرون أن ذلك ممكن شريطة أن تكون منطقة إيداع رسوبي أكثر سمكا، مما يمنح العلماء فرصة أوضح لقراءة التاريخ البيئي والبشري للمنطقة.

وفيما يتعلق بالخطوات المستقبلية، أعرب فيرون عن حماسه لإجراء أبحاث جديدة على عينات رسوبية قريبة من الإسكندرية، مشيرا إلى أن فريقه نشر مؤخرا 4 دراسات حول هضبة الجيزة، أظهرت كيف يمكن للمتغيرات البيئية أن تكشف توقيت بناء الأهرامات وفترات حكم بعض الملوك المصريين، فضلا عن دور فروع نهر النيل القديمة، مثل فرع الأهرامات، في عملية البناء. ويرى أن تطبيق منهج مشابه على مناطق أخرى سيمنح العلماء فرصة استثنائية لفهم العلاقة بين البيئة والأنشطة البشرية في مصر القديمة بشكل أعمق.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار