مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، صعّد حزب الليكود هجومه على غادي آيزنكوت، زعيم حزب "يَشار"، واصفاً إياه بأنه يعيش حالة من "الذعر السياسي"، في ردّ على مطالبته بفتح تحقيق جنائي ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على خلفية قضية الوثائق والمعلومات المتعلقة بإخفاقات هجوم السابع من أكتوبر 2023. ويأتي التصعيد في ظل منافسة انتخابية محتدمة، تعكسها استطلاعات الرأي التي تضع الحزبين في صدارة المشهد، وسط صعوبة حسم هوية الائتلاف القادر على تشكيل الحكومة المقبلة.

اتهم حزب الليكود، في بيان نشره رداً على تصريحات آيزنكوت، زعيم حزب "يَشار"، بالتحرك بدافع اليأس السياسي، معتبراً أنه يدرك عدم قدرته على تشكيل حكومة من دون دعم الأحزاب العربية وحزب "الديمقراطيون" بقيادة يائير غولان.

وجاء في البيان أن دعوة آيزنكوت إلى فتح تحقيق ضد نتنياهو، إلى جانب اتهامه رئيس الوزراء بالخيانة، تعكسان، بحسب وصف الحزب، حالة من اليأس وعدم فهمه للعمليات الأساسية في إسرائيل. واستخدم الليكود لغة هجومية حادة، قائلاً إن آيزنكوت "في حالة ذعر"، في محاولة لتصوير تحركاته الأخيرة على أنها مرتبطة بحسابات انتخابية وسياسية.

ويأتي هذا الهجوم في وقت تتزايد فيه حدة المواجهة بين نتنياهو ومنافسيه بشأن المسؤولية عن الإخفاقات التي سبقت هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023، وما إذا كانت الوثائق التي عرضها رئيس الوزراء تعكس بصورة كاملة ما جرى تداوله داخل المؤسسة الأمنية والسياسية قبل الهجوم.

خلاف حول وثائق مراقب الدولة

وركّز الليكود في بيانه على نفي الاتهامات الموجهة إلى نتنياهو بشأن إخفاء وثائق عن مراقب الدولة، واصفاً هذه الاتهامات بأنها ادعاءات كاذبة ترددها وسائل إعلام محسوبة، وفق تعبيره، على اليسار الإسرائيلي.

وقال الحزب إن نتنياهو أحال إلى مكتب مراقب الدولة قرابة ألف وثيقة ومحضر ونص تفريغ كامل، بما في ذلك وثائق استخباراتية تابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" وجهاز الأمن العام "الشاباك"، مؤكداً أن المواد سُلّمت، بحسب روايته، من دون تنقيح أو حجب، استجابةً لطلبات مراقب الدولة.

وأضاف البيان أن الوثيقة المؤلفة من 55 صفحة، التي نُشرت للجمهور، لا تتضمن جميع المواد التي وصلت إلى مكتب مراقب الدولة، وإنما تمثل جزءاً محدوداً منها، وهو الجزء الذي سُمح بنشره.

وادعى الليكود أن نتنياهو تعاون بصورة كاملة مع الفحص، وقدّم جميع الوثائق المطلوبة وأجاب بالتفصيل عن الأسئلة التي وُجّهت إليه. كما قال إن رئيس الوزراء طالب باستكمال فحص مراقب الدولة، لكن العملية توقفت، متهماً منظمات يسارية والمستشارة القضائية للحكومة والمحكمة العليا بالوقوف وراء عرقلتها.

ولم يكتف الحزب بالدفاع عن موقف نتنياهو، بل دعا إلى استئناف فحص مراقب الدولة في أسرع وقت، وإقامة لجنة تحقيق وطنية تكون متوازنة بين الائتلاف والمعارضة، بهدف كشف جميع التفاصيل والتحقيق في مختلف جوانب القضية.

وتبقى هذه الرواية موقفاً سياسياً صادراً عن الليكود، ولا تعني بحد ذاتها أن الادعاءات المتعلقة بتسليم الوثائق أو أسباب توقف الفحص قد حُسمت بصورة مستقلة.

آيزنكوت يطالب بالتحقيق في إخفاقات السابع من أكتوبر

ويأتي بيان الليكود في سياق مواجهة متصاعدة بشأن طريقة تعامل نتنياهو مع ملف الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر.

وكان آيزنكوت قد طالب، إلى جانب زعيم المعارضة يائير لابيد، بفتح تحقيق جنائي في شبهات تتعلق بالتعامل مع الوثائق والإفادات المرتبطة بما سبق الهجوم، كما دعا إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة تتولى فحص المسؤوليات عن الإخفاقات الأمنية والسياسية.

واتهم آيزنكوت نتنياهو بمحاولة التهرب من المسؤولية، معتبراً أن عرض رواية جزئية للأحداث لا يكفي لتوضيح ما جرى قبل الهجوم، ولا سيما في ما يتعلق بالتحذيرات والتقديرات الاستخباراتية التي سبقت وقوعه.

وتتجاوز أهمية هذا الخلاف مسألة نشر وثيقة من 55 صفحة أو تسليم مئات الوثائق إلى مراقب الدولة؛ إذ يرتبط بالسؤال الأوسع بشأن المسؤولية السياسية والأمنية عن الإخفاق في منع الهجوم، ومدى الحاجة إلى تحقيق مستقل يستطيع فحص القرارات والتحذيرات وسلاسل المسؤولية.

ومن هنا، فإن المواجهة بين الليكود وآيزنكوت لا تدور فقط حول صحة الاتهامات المتبادلة، بل حول الجهة التي ستنجح في إقناع الناخب الإسرائيلي بقدرتها على تقديم إجابات عن إخفاقات السابع من أكتوبر.

استطلاعات الرأي: منافسة متقاربة قبل موعد الاقتراع

ويكتسب الهجوم على آيزنكوت أهمية إضافية في ضوء نتائج استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول.

ففي استطلاع نشرته هيئة البث الإسرائيلية "كان" في 27 سبتمبر/أيلول، حصل حزب "يَشار" بقيادة آيزنكوت على 23 مقعداً، مقابل 21 مقعداً لليكود بقيادة نتنياهو. وأظهر الاستطلاع نفسه تعادلاً بين معسكر نتنياهو والمعارضة الصهيونية عند 52 مقعداً لكل منهما، مع حصول الأحزاب العربية على 12 مقعداً.

وتؤكد استطلاعات أحدث أن المنافسة لا تزال متقاربة، وإن اختلفت الأرقام من استطلاع إلى آخر. ففي استطلاع نشرته صحيفة "معاريف" في 9 أكتوبر/تشرين الأول، تقدم "يَشار" بمقعد واحد على الليكود، بحصوله على 21 مقعداً مقابل 20 لليكود، فيما تعادل المعسكران عند 52 مقعداً لكل منهما.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الليكود لا يواجه منافسة من حزب واحد فحسب، بل يخوض أيضاً معركة أوسع تتعلق بإمكانية احتفاظ معسكر نتنياهو بالأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة. فالحصول على أكبر عدد من المقاعد لا يضمن تلقائياً القدرة على تشكيل ائتلاف حاكم، إذ يتطلب ذلك الوصول إلى 61 مقعداً على الأقل في الكنيست المؤلف من 120 عضواً.

وفي ظل هذه الحسابات، تتحول مسألة التحالفات المحتملة، بما فيها موقف الأحزاب العربية، إلى جزء أساسي من السجال الانتخابي. ويستغل الليكود هذه النقطة في هجومه على آيزنكوت، مصوراً إياه على أنه غير قادر على تشكيل حكومة من دون الاستعانة بأحزاب لا تحظى بقبول لدى قطاعات من اليمين الإسرائيلي.

غير أن نتائج الاستطلاعات وحدها لا تثبت أن آيزنكوت عاجز عن تشكيل حكومة، كما لا تحسم مسبقاً هوية الائتلاف المقبل؛ فهي تعكس موازين القوى في وقت إجراء الاستطلاع، وتبقى قابلة للتغير مع اقتراب موعد التصويت.

هجوم انتخابي أم دفاع عن نتنياهو؟

ويطرح توقيت بيان الليكود تساؤلات بشأن الأهداف السياسية من وراء التصعيد، خصوصاً أن الانتخابات باتت على الأبواب، وأن ملف المسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر لا يزال حاضراً بقوة في النقاش العام الإسرائيلي.

فمن جهة، يسعى الليكود إلى الدفاع عن نتنياهو في مواجهة المطالبات بالتحقيق معه، مؤكداً أن رئيس الوزراء تعاون مع مراقب الدولة وسلّم الوثائق المطلوبة. ومن جهة أخرى، يحاول الحزب نقل النقاش إلى قدرة آيزنكوت على تشكيل الحكومة المقبلة، من خلال التشكيك في خياراته الائتلافية وتصوير مطالبته بالتحقيق باعتبارها تحركاً سياسياً مدفوعاً باليأس.

في المقابل، يركز آيزنكوت ومنافسون آخرون لنتنياهو على ضرورة فحص الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر، وعلى ما يعتبرونه محاولة من رئيس الوزراء لتقديم رواية للأحداث تقلل من مسؤوليته السياسية.

ويمنح التقارب في استطلاعات الرأي هذا السجال وزناً إضافياً، إذ يسعى كل معسكر إلى تثبيت قاعدته الانتخابية واستمالة المترددين، في وقت قد تلعب فيه المقاعد القليلة الفاصلة بين الأحزاب دوراً مهماً في تحديد شكل الحكومة المقبلة.

ومع اقتراب يوم الاقتراع، من المرجح أن تتواصل المواجهة بشأن التحقيقات والوثائق والمسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر، بالتوازي مع تصاعد الجدل حول التحالفات الممكنة. لكن ما ستكشفه صناديق الاقتراع في 27 أكتوبر سيظل العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان نتنياهو قادراً على الاحتفاظ بالحكم، أم أن منافسيه سيتمكنون من ترجمة التقارب الانتخابي إلى أغلبية برلمانية بديلة.