آخر الأخبار

بعد عامين على «عملية البيجر».. انفجارات غيّرت مسار المواجهة بين إسرائيل وحزب الله

شارك


في 17 أيلول/سبتمبر 2024، بدأت آلاف أجهزة «البيجر» بالانفجار في أنحاء مختلفة من لبنان، قبل أن تتبعها في اليوم التالي موجة ثانية استهدفت أجهزة اتصال لاسلكية. وبعد عامين، تبدو العملية أبعد من مجرد ضربة استخباراتية خاطفة؛ إذ سبقت مرحلة من التصعيد الواسع بين إسرائيل وحزب الله، وأحدثت صدمة أمنية وإنسانية ما زالت تداعياتها حاضرة.

وفق منظمة الصحة العالمية، أسفرت موجة 17 أيلول عن مقتل 12 شخصًا، بينهم طفلان، وإصابة ما بين 2,750 و2,800 شخص. وفي اليوم التالي، أسفرت انفجارات أجهزة الاتصال اللاسلكية عن مقتل 20 شخصًا وإصابة أكثر من 450 آخرين. وسجلت المستشفيات إصابات شديدة في العيون والوجه والأطراف، وأُجريت عمليات جراحية معقدة وحالات بتر متعددة.

عملية بدأت قبل لحظة التفجير بسنوات

المعلومات التي ظهرت لاحقًا أظهرت أن ما حدث لم يكن اختراقًا إلكترونيًا لحظيًا، بل عملية استخباراتية استهدفت سلسلة توريد وسائل الاتصال التي استخدمها حزب الله.

وفي مقابلة بثها برنامج «60 Minutes» في كانون الأول/ديسمبر 2024، تحدث اثنان من كبار عناصر الموساد المتقاعدين، قال البرنامج إنهما كانا من المشاركين في إدارة العملية، عن خطة استمرت سنوات وشملت أجهزة اتصال جرى تعديلها قبل وصولها إلى حزب الله. وبحسب شهادتهما، بدأت عملية أجهزة الاتصال اللاسلكية قبل نحو عشر سنوات، فيما جاء مشروع أجهزة «البيجر» لاحقًا.

وبذلك، تحولت وسيلة اتصال كان الهدف من استخدامها تقليل الاعتماد على الهواتف المحمولة إلى نقطة اختراق شديدة الحساسية داخل منظومة الحزب.

من «البيجر» إلى تصعيد واسع

لم تبق تداعيات العملية محصورة في يومي 17 و18 أيلول. ففي الأيام التالية تصاعدت المواجهة بصورة حادة، وكثفت إسرائيل غاراتها في لبنان واستهدفت عددًا من قادة حزب الله.

وفي 27 أيلول/سبتمبر 2024، استهدفت إسرائيل مقرًا قياديًا للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأعلن حزب الله في اليوم التالي مقتل أمينه العام حسن نصر الله.

ومع نهاية الشهر، انتقلت المواجهة إلى مرحلة العمليات البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، إلى جانب الغارات الجوية المكثفة.

وعليه، جاءت انفجارات أجهزة الاتصال في بداية مرحلة مفصلية من الحرب، انتقلت خلالها المواجهة خلال فترة قصيرة من تبادل الضربات عبر الحدود إلى عمليات إسرائيلية أوسع استهدفت قيادة الحزب وبنيته العسكرية.

ضربة لشبكة الاتصال والثقة

على المستوى الأمني، كشفت العملية حجم الاختراق الذي تعرضت له منظومة اتصالات حزب الله وسلسلة توريد أجهزته.

وتشير التفاصيل التي كشفها مسؤولو الموساد السابقون إلى أن جوهر الخطة اعتمد على جعل الحزب يحصل بنفسه على الأجهزة المعدلة، دون إدراك ما أُدخل عليها.

ولم يكن الأثر تقنيًا فقط؛ إذ أثارت العملية تساؤلات أوسع حول الثقة بسلاسل التوريد والأجهزة المستخدمة داخل المنظومات الأمنية، بعدما تحول جهاز اتصال صغير يحمله المستخدم معه إلى وسيلة للهجوم عليه.

آلاف الإصابات.. وكلفة تتجاوز يوم الانفجار

خلف الصورة الاستخباراتية للعملية، بقيت كلفة إنسانية كبيرة. ووفق منظمة الصحة العالمية، احتاج 460 مصابًا في الموجة الأولى إلى عمليات جراحية في العيون أو الوجه أو الأطراف، فيما عانى أقل من 300 مصاب من إصابات في الوجه ونزيف دماغي استدعى التنفس الاصطناعي، وسُجلت حالات بتر متعددة.

وأشارت المنظمة إلى أن طبيعة الإصابات كانت غير اعتيادية، وشملت بتر أصابع وإصابات شديدة في الوجه، وخصوصًا العينين، ما وضع القطاع الصحي اللبناني أمام ضغط استثنائي خلال ساعات قليلة.

جدل قانوني حول طبيعة الهجوم

وأثارت العملية نقاشًا واسعًا بشأن مدى توافقها مع القانون الدولي الإنساني، خصوصًا بسبب تفجير عدد كبير من الأجهزة بصورة متزامنة وفي مواقع مختلفة.

وقالت منظمة العفو الدولية إن منفذي الهجوم لم يكن بإمكانهم، بحسب تقييمها، التأكد من هوية جميع حاملي الأجهزة أو معرفة الأشخاص الموجودين بالقرب منهم لحظة التفجير. واعتبرت المنظمة أن المعطيات تشير إلى هجمات عشوائية وغير قانونية، مطالبة بتحقيق دولي ومساءلة المسؤولين، ومعتبرة أن الوقائع ينبغي التحقيق فيها باعتبارها جرائم حرب.

في المقابل، عرض المسؤولان السابقان في الموساد اللذان تحدثا إلى «60 Minutes» العملية باعتبارها خطة استهدفت عناصر حزب الله من خلال أجهزة أُعدت لهذا الغرض وأُدخلت إلى منظومة اتصالاته.

بعد عامين.. حزب الله والمنطقة تغيرا

بعد عامين، لا يمكن فصل العملية عما تبعها من تحولات. فقد خسر حزب الله خلال الحرب عددًا من أبرز قياداته، وفي مقدمتهم حسن نصر الله، وتعرضت بنيته العسكرية لضربات واسعة، بينما تصاعد داخل لبنان النقاش بشأن السلاح خارج مؤسسات الدولة ودور الجيش اللبناني في الجنوب.

ودخل ترتيب وقف الأعمال القتالية بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 2024، قبل أن تعلن واشنطن في كانون الثاني/يناير 2025 تمديد الترتيب حتى 18 شباط/فبراير من ذلك العام.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن الترتيبات لم تنه جذور الصراع أو التوترات الأمنية والسياسية المرتبطة بالحدود وسلاح حزب الله.

من ضربة استخباراتية إلى محطة مفصلية

بعد عامين، يمكن وضع «عملية البيجر» ضمن سلسلة الأحداث التي سبقت التحول الكبير في المواجهة الإسرائيلية مع حزب الله في خريف 2024.

فمن الناحية الاستخباراتية، كشفت العملية اختراقًا عميقًا لسلسلة توريد وسائل اتصال الحزب. ومن الناحية العسكرية، أعقبتها مرحلة تصعيد شملت اغتيالات وغارات واسعة وعمليات برية. أما إنسانيًا، فقد خلفت آلاف المصابين، بينهم أشخاص تعرضوا لإصابات شديدة ودائمة.

وبينما قدمتها مصادر إسرائيلية باعتبارها عملية استخباراتية استهدفت منظومة حزب الله، أثارت طريقة تنفيذها وحجم الإصابات بين الموجودين في محيط الأجهزة مطالب حقوقية بتحقيق دولي في مدى قانونيتها.

وبعد عامين على اللحظة التي بدأت فيها أجهزة صغيرة بالانفجار تباعًا في لبنان، تبقى أحداث 17 و18 أيلول/سبتمبر 2024 واحدة من أبرز محطات الحرب، ونموذجًا لمرحلة أصبحت فيها سلسلة التوريد وجهاز الاتصال نفسه جزءًا من ساحة المواجهة.

الصّنارة المصدر: الصّنارة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا