يكشف تحقيق صحفي جديد عن ظاهرة متصاعدة تتمثل في تراجع أعمار الشبان المنخرطين في البؤر الاستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية، وصولًا إلى طلاب في الصفين السابع والثامن، وسط تحذيرات من تعرض قاصرين للخطر والإهمال وانقطاعهم عن الأطر التعليمية والعلاجية.
وبحسب التحقيق، فإن جهات حقوقية ونشطاء يتابعون ما يجري في الميدان وجّهوا عشرات البلاغات إلى سلطات الرفاه الاجتماعي، محذرين من وجود قاصرين في أوضاع خطرة، ومن استخدام بعضهم في أعمال عنف واعتداءات ضد الفلسطينيين.
قاصرون في بؤر استيطانية بلا رقابة
يشير التحقيق إلى أن بعض القاصرين الذين يصلون إلى المزارع والبؤر الاستيطانية يعانون من الإهمال، ويقضون ساعات طويلة في مناطق جبلية مكشوفة، أحيانًا حفاة، ومن دون ظروف معيشية مناسبة أو إشراف بالغين.
وفي إحدى الحالات، أُبلغت السلطات بشأن قاصر من عائلة تقيم في منطقة بنيامين، بعدما شوهد وهو يضرب كلبًا بحجر داخل إحدى البؤر الاستيطانية. وأشار البلاغ إلى أن ناشطين لاحظوا تدهورًا في حالته النفسية وسلوكه، مطالبين بفحص أوضاعه والتأكد من حصوله على الرعاية اللازمة.
وتشير إفادات نقلها التحقيق إلى أن بعض القاصرين يُستخدمون في أعمال تتعلق بحراسة البؤر ورعي الأغنام، إلى جانب المشاركة في مواجهات واعتداءات ضد الفلسطينيين.
ارتفاع كبير في الجرائم القومية وتورط مئات الشبان
وفق معطيات نشرتها حركة حرية المعلومات، ارتفع عدد أحداث ما يسمى بالجرائم القومية في الأراضي الفلسطينية منذ عام ٢٠١٩ بنسبة بلغت نحو ٥٦٠ في المئة، فيما تشير تقديرات الشرطة إلى أن نحو ٣٠٠ شاب من الموجودين في التلال والبؤر الاستيطانية متورطون في أحداث إخلال بالنظام وأعمال عنف.
ويشير التحقيق كذلك إلى أنه خلال فترة الحكومة الحالية أُقيمت قرابة ٢٠٠ بؤرة استيطانية جديدة، تمتد على نحو مليون دونم، بالتزامن مع تهجير أكثر من ١٠٠ تجمع فلسطيني من أراضيهم.
ويرى التحقيق أن بعض هذه البؤر أصبحت بيئة جاذبة لشبان معرضين للخطر، خصوصًا أولئك الذين انقطعوا عن المؤسسات التعليمية.
أعمار القاصرين تتراجع إلى الصفين السابع والثامن
قالت مديرة منطقة القدس في وزارة التربية، كرميت هاروش، خلال جلسة في لجنة التربية في الكنيست، إن الدولة ترصد وصول أطفال إلى المزارع في الصفين السابع والثامن، مشيرة إلى أن عملية التسرب من الأطر التعليمية تبدأ أحيانًا خلال العطل ونهايات الأسبوع.
وبحسب إفادتها، يصل بعض الأطفال إلى هذه المزارع عدة مرات، ثم يتعلقون بنمط الحياة فيها، فيما باتت الظاهرة تظهر في أعمار أصغر من السابق.
كما كشف تقرير أعده فريق مشترك بين الوزارات، وانتهى في سبتمبر عام ٢٠٢٥، عن وجود قاصرين في البؤر الاستيطانية بصورة دائمة، بينما يصل آخرون خلال العطل ونهايات الأسبوع أو في مناسبات مرتبطة بعمليات الإخلاء والحرب.
وخلص التقرير إلى أن معظم هؤلاء الشبان من الذكور، وينحدرون في غالبيتهم من خلفيات دينية قومية، فيما يأتي بعضهم من المجتمع الحريدي، وأن نسبة كبيرة منهم لديها تاريخ من التسرب من الأطر التعليمية.
تقرير حكومي يحذر من ظروف معيشية خطرة
بحسب التقرير الحكومي، تتمثل المخاوف الأساسية في وجود قاصرين، بعضهم في أعمار صغيرة جدًا، من دون ظروف معيشية أساسية، وفي كثير من الحالات من دون رقابة من بالغين، وأحيانًا مع انقطاع عن الوالدين.
وأشار التقرير إلى أن أنشطة بعض الشبان تصل إلى ارتكاب مخالفات قانونية، تبدأ من القيادة أو استخدام مركبات من دون ترخيص، وتمتد إلى مخالفات ذات خلفية قومية، بما في ذلك الاعتداء على الفلسطينيين وأحيانًا الاحتكاك مع قوات الجيش والشرطة.
شهادة من داخل إحدى البؤر: «حتى فتى في الرابعة عشرة يفعل ذلك»
يروي شاب يبلغ من العمر ٢١ عامًا ويقيم في بؤرة استيطانية غير قانونية، أن فتى يبلغ ١٤ عامًا يعيش في المزرعة إلى جانب شبان في سن المرحلة الثانوية.
وبحسب شهادته، يقوم الشبان بأعمال حراسة ليلية ورعي الأغنام خلال النهار، وقد يضطرون أحيانًا إلى النوم ثلاث ساعات فقط بسبب الحاجة إلى الحراسة.
وأضاف أن الفتى البالغ ١٤ عامًا يشارك في هذه المهام عندما تكون هناك حاجة إليه.
كما وصف الشاب طبيعة الاحتكاك مع الفلسطينيين بأنها جزء من الحياة اليومية في المنطقة، وقال إن بعض الموجودين في البؤر يرون أن عليهم السيطرة على الأرض وفرض وجودهم بالقوة.
تحذيرات من استغلال قاصرين في أعمال عنيفة
يقول ناشطون إن المشكلة لا تقتصر على الإهمال أو التسرب من التعليم، بل تشمل أيضًا استغلال بعض القاصرين في أنشطة قد تعرضهم للخطر وتدفعهم إلى المشاركة في أعمال عنف.
وفي إحدى جلسات الكنيست، قال عضو الكنيست رام بن باراك إن هناك من أدرك إمكانية تحويل الأطفال الذين يحتاجون إلى علاج ورعاية إلى أدوات لخدمة البؤر الاستيطانية.
وتشير شهادات أخرى إلى وجود أطفال في سن العاشرة داخل مجموعات تتحرك في مناطق فلسطينية، الأمر الذي أثار انتقادات بشأن مشاركة أطفال صغار في أنشطة تحمل طابعًا عدائيًا.
الرفاه الاجتماعي: نعرف الحالات لكن لا يمكن السيطرة على أماكن وجود الشبان
تقول سلطات الرفاه إنها تتابع الحالات التي يتم إبلاغها عنها، وإن العاملين الاجتماعيين يتدخلون عندما يتبين أن قاصرًا معرض للخطر أو يشكل خطرًا على نفسه أو على الآخرين.
وخلال جلسة برلمانية، قالت رئيسة قسم الفئات الهامشية في وزارة الرفاه، رَعوت لوغاسي، إن الوزارة تتلقى البلاغات المتعلقة بالقاصرين وتفحصها، مؤكدة أن العاملين الاجتماعيين يتوجهون إلى الأهالي ويفحصون الحالات.
لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن الوزارة لا تستطيع التحكم في الأماكن التي يختار الشبان الوصول إليها، وشبّهت ذلك بوجود شبان معرضين للخطر في أماكن عامة أخرى داخل المدن.
في المقابل، يرى ناشطون في مجال حقوق الإنسان أن وجود القاصرين في هذه المزارع والبؤر يستوجب تدخلًا أوسع من جانب الدولة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأطفال منفصلين عن الأطر التعليمية ويعيشون في ظروف غير ملائمة.
انتقادات لغياب الاستجابة الكافية
يؤكد الدكتور يورام شورك، الذي وجّه عشرات البلاغات إلى سلطات الرفاه، أن الاستجابة الرسمية لا تزال محدودة، متحدثًا عن حالات لا يُعرف فيها اسم القاصر، أو يتم فيها تسجيل أن القضية «قيد المتابعة» من دون اتخاذ خطوات ملموسة.
كما وجّه شورك انتقادات إلى أداء أقسام الرفاه في بعض المجالس الإقليمية، معتبرًا أن القاصرين الذين يعيشون في البؤر يتعرضون لمخاطر جسدية ونفسية، ويحتاجون إلى تدخل مهني منظم.
من جهتها، رفضت لجنة الأخلاقيات في اتحاد العاملين الاجتماعيين تحميل العاملين الميدانيين المسؤولية المباشرة عن الظاهرة، معتبرة أنها مشكلة وطنية تستوجب معالجة من جانب وزارات الرفاه والتربية والأمن الداخلي والجهات الحكومية المختصة.
ظاهرة تتسع وسط غياب أرقام رسمية دقيقة
لا توجد أرقام رسمية متفق عليها حول عدد «شبان التلال» أو عدد القاصرين الموجودين بينهم.
ففي جلسة للجنة التربية في الكنيست، قُدّر عددهم بنحو ألف، بينما تحدث ممثلو وزارتي التربية والرفاه عن عدد يتراوح بين ٦٠٠ و٨٠٠.
وتقول شخصيات في السلطات المحلية إن جزءًا كبيرًا من هؤلاء الشبان لا ينحدر أصلًا من مستوطنات الضفة الغربية، وإنما يصل من مدن ومناطق مختلفة داخل إسرائيل، ما يزيد من صعوبة تحديد الجهة المسؤولة عن التعامل معهم.
ويخلص التحقيق إلى أن تراجع سن القاصرين الذين يصلون إلى هذه البؤر، إلى جانب انقطاع بعضهم عن التعليم وغياب الرقابة والإشراف، يضع السلطات أمام ظاهرة مركبة تجمع بين قضايا الرفاه الاجتماعي والتسرب التعليمي والعنف السياسي والقومي.
كما يثير استخدام قاصرين في أنشطة داخل مناطق متوترة، وفق الشهادات التي أوردها التحقيق، تساؤلات متزايدة حول مسؤولية الدولة عن حماية هؤلاء الأطفال ومنع استغلالهم في أعمال قد تعرضهم للخطر أو تدفعهم إلى ارتكاب مخالفات.
المصدر:
بكرا