في لحظة سياسية تتداخل فيها الفوضى مع الأمل، يقف المجتمع العربي في إسرائيل أمام فرصة تاريخية نادرة قد لا تتكرر قريبًا. ليست فرصة شكلية ولا مجرد هامش في لعبة سياسية معقدة، بل إمكانية حقيقية للتأثير في تركيب الحكومة الإسرائيلية، وبالتالي في المسار الذي تتجه إليه الدولة في ظل تصاعد الهيجان العنصري والاستعماري الذي يهدد المنطقة بحروب دائمة ويعمّق العنصرية البنيوية ضد العرب داخل البلاد.
هذا الواقع المتوتر يأتي بعد سنوات من حروب قاسية، وفي ظل أزمة داخلية خانقة تعصف بالمجتمع الإسرائيلي كله. ومع ذلك، ورغم كل هذا السواد، تظهر مؤشرات سياسية جديدة تقول إن واقعاً أفضل قد يكون ممكنًا، بل إن هناك من يرى أن لدينا «فرصة حقيقية لتكون هناك آمال جيدة». هذه ليست مجرد أمنيات، بل قراءة لواقع سياسي يتغير بسرعة، ويمنح العرب نافذة تأثير غير مسبوقة.
معسكر التغيير، أو ما يُسمّى في الخطاب الإسرائيلي «معسكر الأمل والتغيير»، يدخل السباق الانتخابي ببنية حزبية تُعدّ الأكثر تماسكًا منذ سنوات. أربع أحزاب كبيرة، مستقرة فوق نسبة الحسم، تمثل يمينًا ويسارًا ومركزًا، وتعمل ضمن تفاهمات داخلية تقلّل من الصراعات التي كانت تضعف هذا المعسكر في الماضي. هذه الأحزاب، رغم اختلافاتها الأيديولوجية، تتشارك هدفًا واحدًا: منع استمرار الهيجان السياسي الذي يقود الدولة نحو مزيد من التطرف والعنف، وإسقاط نتنياهو بكل ثمن.
على الجانب العربي، تعود القائمة المشتركة إلى شبه وحدة، ما يعيد الروح إلى فكرة التمثيل العربي الجماعي ويمنع ضياع الأصوات التي كانت تتشتت بين أحزاب صغيرة لا تتجاوز نسبة الحسم. وفي الوقت نفسه، تواصل القائمة العربية الموحدة نهجها نحو الشراكة الحكومية، وهو نهج أثار جدلًا واسعًا لكنه فتح الباب أمام شرعية جديدة لفكرة التأثير العربي المباشر في صنع القرار. هذا التوازن بين الوحدة من جهة والبراغماتية من جهة أخرى يخلق ديناميكية سياسية جديدة، ويزيد من احتمالات رفع نسبة التصويت في المجتمع العربي، ويمنع احتراق الأصوات، ويمنح العرب قدرة فعلية على التأثير في تشكيل الحكومة المقبلة.
الجمهور الإسرائيلي الذي ينتمي لمعسكر التغيير، ورغم تحفظه التقليدي على مشاركة الأحزاب العربية، بات يدرك أن الوصول إلى 61 مقعدًا دون دعم عربي شبه مستحيل. هذا الإدراك يفتح الباب أمام حلول سياسية مبتكرة، ويجعل فكرة الشراكة مع العرب أقل حساسية وأكثر واقعية، خصوصًا في ظل رفض هذا الجمهور العودة إلى تحالفات مع نتنياهو أو الأحزاب الحريدية. هنا تحديدًا تتجلى الفرصة التاريخية: العرب لم يعودوا مجرد خيار اضطراري، بل جزء من معادلة سياسية جديدة تتشكل في إسرائيل.
في المقابل، يعاني معسكر اليمين من حالة ارتباك واضحة. فشل نتنياهو في ترتيب معسكره، ووجود أحزاب صغيرة مثل «نوعام» و«الحريديم الجدد» التي قد تحرق آلاف الأصوات، وصراعات داخلية بين الليكود وسموتريتش وأحزاب اليمين الديني، كلها عوامل تهدد قدرة هذا المعسكر على تشكيل اغلبية حكومية. يضاف إلى ذلك تراجع في شعبية الليكود، وانتقال ما بين ستة إلى ثمانية مقاعد نحو معسكر التغيير، ما يخلق سابقة سياسية تقول إن التصويت لليكود لم يعد «واجبًا وطنياً» كما كان يُصوَّر سابقًا. حتى الأحزاب الحريدية تعيش أزمة داخلية، سواء بسبب انتقال الأجيال أو الخلافات التنظيمية، ما يضعف الحماسة الانتخابية ويزيد من حالة التشتت.
هذه الفوضى تجعل سقف معسكر اليمين محدودًا عند 52–53 مقعدًا، مع احتمال انخفاضه أكثر إذا لم تتجاوز بعض الأحزاب نسبة الحسم. وفي ظل شبه انعدام انتقال الأصوات بين المعسكرين، يصبح تأثير العرب في تشكيل الحكومة عاملًا حاسمًا، وربما العامل الوحيد القادر على تغيير النتيجة النهائية.
هنا، تتضح أهمية اللحظة بالنسبة للمجتمع العربي. فالتأثير العربي في تشكيل الحكومة يمكن أن يكون أداة لكبح الهيجان العنصري الذي يتصاعد في الإعلام والسياسة، ووسيلة لوقف السياسات الاستعمارية التي تدفع المنطقة نحو صدامات مستمرة، وحماية للمجتمع العربي من التمييز البنيوي في الميزانيات والخدمات وسياسات الأمن. كما يمكن أن يكون مدخلًا لإعادة بناء علاقة جديدة بين الدولة ومواطنيها العرب على أساس الشراكة لا الإقصاء، وفرض أجندة مدنية تعالج الجريمة والفقر والتعليم والبنى التحتية في البلدات العربية.
ورغم كل التحديات، فإن هناك أسبابًا حقيقية تدعو إلى التفاؤل. هناك فرصة سياسية نادرة، وهناك استعداد شعبي للتغيير، وهناك إمكانية فعلية لأن يكون للعرب دور حاسم في منع انزلاق الدولة نحو مزيد من العنصرية والاستعمارية. هذه ليست دعوة للتنازل عن الهوية، بل دعوة لاستخدام القوة السياسية التي يمتلكها المجتمع العربي اليوم استخدامًا ذكيًا ومسؤولًا.
وإذا أحسن العرب استثمار هذه اللحظة، فإن القادمة القادمة قد يتون فعلًا أفضل.
المصدر:
كل العرب