آخر الأخبار

ورقة سياسات.... خطة الحسم: حان دور النقب والجليل!

شارك

أمير مخول - مركز تقدم للسياسات

أعلن بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية والوزير في وزارة الأمن الإسرائيلية، عن خطة تهويد النقب والجليل، تقضي بإنشاء أربعين مستوطنة واستقدام مليون يهودي من المهاجرين من دول الغرب ومن جنود الاحتياط للسكن في هذه المناطق، مع توفير الحوافز الاقتصادية والحياتية لهم.

وفقاً لموقع i24NEWS الإخباري بتاريخ 27 أغسطس/آب 2026، فإن الخطة تقوم على ثلاثة مرتكزات هي: الأرض، والديموغرافيا، والأمن. كما تستند إلى إحداث تغيير ميداني سريع وخلق أمر واقع.

تستدعي الخطة التوقف عند عدد من دلالاتها وتتطلب قراءة استشرافية للنوايا الحاكمة:

أولاً: النفوذ الواسع للصهيونية الدينية:

منذ تشكل الحكومة الحالية في ديسمبر/كانون الأول 2022، منح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو صلاحيات واسعة جداً لحزب الصهيونية الدينية برئاسة سموتريتش، تفوق بدرجات حجم الحزب الانتخابي. غير أن تيار الصهيونية الدينية لا يُقاس فقط بعدد نوابه السبعة، بل بنفوذه الواسع داخل حزب الليكود الحاكم، حيث ينتمي العديد من نوابه إلى عقيدة الصهيونية الدينية على حساب ما كان في السابق الجناح الليبرالي. بالإضافة إلى سموتريتش وزيراً للمالية ووزيراً في وزارة الأمن لإدارة مصير الضفة الغربية والاستحواذ على صلاحيات الجيش والإدارة المدنية معاً، فقد حظيت الوزيرة أوريت ستروك بوزارة الأولويات القومية والاستيطان في النقب والجليل، وهي الأكثر تمرساً في مشاريع الاستيطان والتهويد.

ثانياً: الآليات القانونية والالتفاف عليها:

وفقاً للجوانب القانونية الإسرائيلية، فإن إقامة بلدات جديدة (ودائماً لليهود، إذ لا تُقام أية بلدات عربية فلسطينية) تتطلب إجراءات معقدة قد تصل إلى ما بين 10 و20 عاماً. غير أن هذا الإجراء لا يسري في الضفة الغربية، حيث أن مفهوم "البؤر الاستيطانية" أو ما يطلقون عليه إعلامياً "المستوطنات غير القانونية" يقوم على إنشاء مستوطنات فوراً وتجاوز الإجراءات، ثم تُعتبر أمراً واقعاً، ويقوم الجيش بمدّها بالكهرباء والحماية والطرق بذرائع أمنية، ثم يُعترف بها بقرار حكومي لتبدأ بالتوسع.

من تجربته في أساليب الاستيطان في الضفة، ينقل سموتريتش هذه التجربة إلى داخل "الخط الأخضر" في مناطق النقب جنوباً والجليل شمالاً. كما يعتمد الوزير مبدأ التسريع والسعي إلى التشريع الفوري لتجاوز الإجراءات المتبعة في إقامة عشرين مستوطنة في النقب وعشرين في الجليل. وللتنويه، فإن تيارات أقصى اليمين والصهيونية الدينية الحاكمة لا تقبل بأي اعتبار لـ"الخط الأخضر"، وترى فعلياً بكل فلسطين التاريخية جزءاً من أرض إسرائيل الكبرى.

ثالثاً: السرعة كأداة لفرض الأمر الواقع:

يضيف مبدأ السرعة في إقامة المستوطنات بُعداً آخر، وهو فرض أمر واقع على الأرض، رغم علم الوزير أن هذا المشروع لا يمكن إنجازه خلال الفترة المتبقية لحكومته (شهران إلى حين الانتخابات، وعدة أشهر إلى حين تشكل ائتلاف بديل في حال نجحت المعارضة). فالسرعة في الإنشاء تعني عدم إتاحة المجال للسكان العرب الفلسطينيين للاعتراض القانوني والقضائي وأمام لجان التخطيط.

السرعة في إقامة المستوطنات في المنطقتين المذكورتين هي مسعى لإقامة بؤر استيطانية في النقب والجليل، تضاف إلى نوع آخر من الاستيطان في المدن الساحلية، وهو ما يطلقون عليه "الأنوية التوراتية" التابعة لتيار الصهيونية الدينية بذاته ولمدارسه الدينية، ومن ضمنها المعاهد التحضيرية للجيش أو الدينية العسكرية. وفي حال نجح مشروع الصهيونية الدينية بإقامة بؤر استيطانية في قلب التواصل السكاني العربي في النقب والجليل، فإن استكمال إجراءات التخطيط سيكون لاحقاً مهما طال الزمن، لكن إلى حينه يكون المشروع قد استحوذ على جل احتياطي الأراضي للبلدات العربية الفلسطينية، ويُعتبر إجراءً قانونياً ملزماً للدولة في حمايته من الالتماسات ضده للقضاء.

رابعاً: الوظائف المتعددة للاستيطان السريع:

الوظيفة الأخرى للتسريع في إقامة المستوطنات هي ترويع الفلسطينيين العرب وتحويل بلداتهم - كما في الضفة - إلى معازل، فيما يتيح السيطرة على الأراضي وتغيير نمط حياة البدو في النقب من مجتمع رعاة إلى مجتمع قروي أو حضري مشوّه، والقضاء على علاقتهم بالأرض والرعاية. وقد تكون المستوطنات قائمة على الرعاية ضمن الاستيطان الرعوي القائم على نهب الأرض والمواشي والسيطرة على أوسع مدى ممكن من الأراضي. والإجراء السريع وفق تشريع جديد مناسب لا يتيح تقديم أية اعتراضات أو التماسات قضائية، على الرغم من أن المحكمة الإسرائيلية تقوم جوهرياً بالمصادقة على معظم مشاريع التهويد.

بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الكثافة الاستيطانية، حتى ولو من باب التهديد أو التطبيق الجزئي، هي أداة ترويع للفلسطينيين مواطني إسرائيل، كما لكل الفلسطينيين الواقعين تحت السيطرة الإسرائيلية، وجعلهم يطبّعون فكرة أنهم في ظل خطر وجودي، مما يجعل مشاريع الهيمنة والتحكّم بهم أسهل على المؤسسة الإسرائيلية.

خامساً: وظيفة منظومة الجريمة في خطة سموتريتش:

تنظر الخطة إلى المواطنين العرب الفلسطينيين باعتبارهم مسألة أمنية و"تهديداً لسيادة الدولة"، وتضع هدفاً يتمثل بتقويض ما أسمته "الحكم الذاتي للعرب في النقب"، وبناءً عليه، فإن الجهة المسؤولة عن التهديدات الأمنية هي جهاز الأمن العام "الشاباك". وتقترح الخطة محاربة انتشار السلاح الناري في المجتمع العربي، والحكم على المتورطين ما لا يقل عن عشر سنواتً. وللتنويه، ووفقاً للمعطيات الرسمية، فإن الكم الأكبر من الأسلحة والذخيرة مصدره مخازن الجيش الإسرائيلي ومن جنود في الخدمة. كما أن هناك اعترافات لقيادات في الشرطة بأن رؤساء عصابات الجريمة يحظون بحماية الشاباك، مما يحظر على الشرطة اعتقالهم.

سادساً: الاستهداف الأشمل:

استهداف الفلسطينيين في إسرائيل فيه تقاطع للعقيدة الحاكمة مع فائض القوة في السلطة بعد تطويع أجهزتها سياسياً، وانتخابات يُجمَع عليها بأنها الأكثر مصيرية في تاريخ الدولة. تجاوز هذا الاستهداف، ومنذ سنوات، أساليب الملاحقة السياسية والترهيب السياسي، وانتقل إلى استهداف الوجود السكاني. أحد تجليات ذلك هو مصادرة مفهوم المواطنة الذي كان يشكل أداة حماية البقاء، والانتقال إلى استباحة الوجود السكاني.

خطة سموتريتش بصدد النقب والجليل هي جزء من سياق أوسع يتميز بخلق أجواء مؤاتية على خلفية الذهنية الإسرائيلية السائدة ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. في هذا السياق، يقوم التلفزيون الإسرائيلي "القناة 14" التي تعتمد عقيدة أقصى اليمين، وهي من أكثر القنوات مشاهدة وتأثيراً، بحملة تحريض غير مسبوقة، حيث تحرض على الوجود العربي الفلسطيني، وتستدعي في برامجها ذوي ذهنية تطهير عرقي إباديّ، من دعاة ملاحقة الأطباء العرب في المستشفيات الإسرائيلية وتسجيل أية محادثة بينهم بالعربية، والتحريض على سائقي الحافلات العمومية العرب، والتحريض على سكنى العرب في مدن أُقيمت بالأساس بهدف التهويد لكن حالياً فيها حضور سكاني عربي فلسطيني واسع للغاية، وإلغاء كافة مخططات توسيع مسطحات البناء في البلدات العربية، فيما تتحدث أشرطة فيديو مسجلة عن الخوف من العرب في الشواطئ حيث يتحدثون العربية، وتدعو الى شطب الأحزاب العربية المرشحة للكنيست.

فعلياً، جمهور مشاهدي القناة 14 هم من أتباع نتنياهو وأقصى اليمين، وتعلو أصوات كثيرة بين قادة المعارضة وفي الأوساط الإعلامية والأمنية الإسرائيلية التي تحذر من ترجمة التحريض إلى اعتداءات دموية وحتى تصفيات لكل شخصية تهدد سياسياً سلطة أقصى اليمين، في حين لا يحصل أي كبح للتحريض الدموي ضد الفلسطينيين العرب، بما فيه استهداف وجودهم، مما يشكل الأرضية الخصبة لمشاريع التهويد والاستيطان كما الحال مع مخطط سموتريتش. وتتعزز التقديرات بأن الحكومة الإسرائيلية تدفع بشكل مكثّف إلى صدام مع الفلسطينيين مواطني إسرائيل وفي الضفة الغربية، كما تتعزز القناعة باعتبارهم جمهوراً في خطر، كما هو حال الشعب الفلسطيني برمّته.

ميدانياً، تتكرر في الآونة الأخيرة ظاهرة الجولات التفقدية بمشاركة وزراء أو نواب كنيست من تيار الصهيونية الدينية، أو من مجموعات ميليشياتية استيطانية، تقوم بمعاينة مناطق تحوم حول البلدات العربية في الشمال والنقب والبلدات النائية، ليتبعها مخططات استيطانية في هذه المناطق، كما حدث مع بلدة كفركنا في منطقة الناصرة وفي طوبا زنغرية النائية في منطقة الجاعونة (روش بينا). تندرج هذه الجولات ضمن مخططات دولة، والهدف منها أبعد من مجرد الاستفزاز، بل - كما في الضفة الغربية - لبث الذعر وخلق نفسية قابلة للاقتلاع.

سابعاً: المخطط والانتخابات: هل سيكتب له التطبيق؟

المخطط الذي يحمل اسم سموتريتش هو مخطط دولة، ويشكل ترجمة ميدانية للخطوط العريضة التأسيسية للحكومة الحالية، وهو عقائدي وسياسي. وطرحه عشية الانتخابات فيه تعبير عن صراع البقاء السياسي الذي يخوضه رئيس الصهيونية الدينية على حياته السياسية، فيما تشكل الانتخابات بيئة مؤاتية لاستباحة حق الفلسطينيين العرب في الوجود في وطنهم وبلداتهم.

إن فترة لا تقل عن شهرين للانتخابات تجعل الخطة تبدو دعائية وغير قابلة للتطبيق إجرائياً وتنفيذياً، غير أن ما يحدث في الضفة الغربية من اطلاق الميليشيات الإرهابية والاستهداف المكثف للوجود الفلسطيني وأعمال التطهير العرقي المتسارع والمحمية من الدولة والجيش، إنما يشير إلى أن تطبيق بناء 40 مستوطنة في النقب والجليل وفقاً لنوايا سموتريتش سيكون ممكناً فقط بهذه الطريقة، أي استخدام الميليشيات الإسرائيلية المسلحة رسمياً للقيام بهذه المهمة والإسراع في إقامة بؤر استيطانية، ولاحقاً تتم تسويتها قانونياً وإجرائياً.

في المقابل، فإن بقاء الناس ورفضها تطبيع فكرة الاقتلاع والهدم والتهويد من شأنه أن يكون العامل الحاسم في إخفاق هذا المخطط.

في الخلاصة؛ فإنّ خطة إقامة 40 مستوطنة في النقب والجليل، هي دلالة على نوايا حقيقية، وهي سياسة حكومة وفقاً لوثيقتها التأسيسية، وتهدف إلى تضييق الحيز العام للبلدات العربية وتفكيك تواصلها الجغرافي. فيما الأجواء العامة التي تقودها خطة التهويد هي أجواء تحريض على الوجود العربي الفلسطيني، وتقود إلى ترجمتها دموياً على أرض الواقع على شاكلة اعتداءات جماعية منظمة، أو ما يعرف بـ"البوغروم".

تندرج خطة تهويد النقب والجليل، بالتزامن، في ذهنية وآليات "خطة الحسم" التي تُطبّق بكثافة في الضفة الغربية سعياً لتفكيكها سكانياً وكيانياً. وفي ذهنية الائتلاف الحاكم، فإن ما يتم تطبيقه في الضفة الغربية ملائم للتطبيق في الداخل وبالعكس. فعلياً، إن خطة الحسم يتم تطبيقها في كامل مساحة فلسطين التاريخية تحت مسمى أرض إسرائيل وحق الشعب اليهودي الحصري عليها.

إن استهداف كل الفلسطينيين أينما تواجدوا يتطلب حواراً فلسطينياً واسعاً في كيفية إيقاف هذه المخططات، والمطالبة بحماية مقومات الحياة وحماية دولية. لكن يبقى الأساس هو أنّ بقاء الناس وتماسكها وتماسك الحركة السياسية ورفضها تطبيع فكرة الاقتلاع والهدم والتهويد من شأنه أن يكون العامل الحاسم في إخفاق هذا المخطط.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا