التحوّل الى كتلتين سياسيتين ثابتتين تستمد كلّ منهما مصداقيتها من جمهورها الواسع:
تمر الحركة السياسية العربية بمرحلة فيها ملامح تبدو مفصلية باتجاه مشروعين سياسيين يتمتع كل منهما بالقدرة على الاستدامة والتأثير في بلورة تطلعات المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل وحتى لقيادة هذا الجمهور. بخلاف التعددية السياسية المعهودة والتي قامت على أساس قاسم مشترك واسع وجد تعبيرا عنه فيما يطلق يدرج تسميته بالثوابت الوطنية والتي تشكل البنية الأخلاقية للعمل السياسي، فإن الجديد بالأمر هو التغيير في بنية العمل السياسي الذي كان قائما على مفهوم الحزب القائد التاريخي، والذي أداه تاريخيا الحزب الشيوعي الذي قاد العمل السياسي مباشرة غداة نكبة العام 1948 وبلور الأسس لهذه الثوابت والى حد كبير لسقف العمل السياسي، وهو ما تأثر لاحقا في أوساط التسعينيات بخطاب التجمع الوطني الدمقراطي والى حد ما خطاب الحركة الإسلامية الشمالية حصرا في تلك الحقبة والذي بدوره تراجع بعد حظرها، فيما سبق ذلك الخطاب المتميز الذي أتت به حركة أبناء البلد وحصريا في سنوات السبعين.
كما تشهد بنية العمل السياسي العربي الفلسطيني تحولا جذريا وتجاهله لا يؤدي الى إلغائه، وهو التحول الى كتلتين ومشروعين سياسيين ولكلٍّ قطاعات جماهيرية واسعة تدعمه ومقتنعة به. أحد اهم المتغيرات التي يأتي بها هذا التحول هو المؤشرات لنهاية حقبة الحزب القائد، وتحول التعددية الى مشاريع تتطلب اما الاعتراف بالانقسام بعيد المدى وهذا ليس ما أرمي اليه، وإما إعادة تعريف القاسم المشترك وما ينتج عنه من ثوابت، وهذا ليس بالضرورة قابلا للتحقيق.
الأولوية الآنية لمنع تفككنا وتسبق تفكيك الاستعمار
تبدو الأمور وكأن الدافع لهذا التحول هو انتخابات الكنيست الحالية (في حال جرت)، لكنها فعلا تعبير عن مسار طويل المدى من التحولات في تراجع أثر الحركة الوطنية بأحزابها وحركاتها والذي تسارع على خلفية السابع من تشرين\اكتوبر 2023 وحرب الإبادة على غزة، وحالة الطوارئ غير المعلنة التي طبقتها إسرائيل على الجماهير العربية الفلسطينية بموازاة الحرب على غزة. هذه الحالة حتى وإن كثر الحديث عن وحدة الشعب الفلسطيني وعن حضور غزة في الوجدان، وعدم القدرة على ترجمته الى سلوك سياسي سواء في الداخل ام الضفة ام الشتات، فإن النتيجة هي تشتت الفعل السياسي ووحدة الفلسطينيين. قد يقال ان المشاعر حملت هذه الوحدة وهذا صحيح لكن المشاعر مهما كانت صادقة وهي فعلا كذلك فهي لا تشكل وحدة ولا سلوكا سياسيا.
تجلٍّ اخر لتجزئة الفكر السياسي الفلسطيني في الداخل يظهر في الخطاب القائم على امرين؛ تفكيك الاستعمار؛ والفوقية اليهودية. فالنقاش مع فكرة تفكيك الاستعمار ليس بالضرورة معارضة لها، لكن لوظيفة هذا الخطاب القائم على تجاوز الحالة. دور النخب السياسية والثقافية في زمن الإبادة هو توفير رؤية وممارسة منبثقة عنها لمقومات البقاء والصمود. هذه المقومات لا تأتي بالتنظير رغم أهميته بل بالممارسة السياسية. وفي الخطاب المتصل بالناس والتفاعلي معها وحصريا مع الفئات المهمّشة او المستهدفة مباشرةً، وإلا لكانت فجوة وقطيعة بين الخطاب وجمهور الهدف. فعليا الأحزاب اكثر تواضعا في طرحها بتحديدها الأولويات بوقف حرب الإبادة والتطهير العرقي وبوقف الجريمة وكلا الأمرين مفكِّك للمجتمع الفلسطيني وكبانيته كشعب او مجموعات فرضها واقع قسريّ. قد نرى في الحماية من التفكك خطوة باتجاه تفكيك الاستعمار وقد تكون أساسا منطقيا لتفكير فلسطيني جامع، او انعكاسا لمقولة "موت حل الدولتين"، وعندها يطرح السؤال هل يسبق الامر انهاء الاحتلال من العام 1967 أم لا يسبقه؟.
في خطاب "الفوقية اليهودية"
مسألة الفوقية اليهودية هي خطاب جديد نسبياً لم يكن له ذكر في ادبيات الشعب الفلسطيني وحركة التحرر الوطني ولا في الخطاب السياسي في الداخل. تتردد مقولة الفوقية اليهودية ضمن السعي للتعريف بأساس المشكلة القائمة او التحدي. قد يفسرها من يريد او تريد بانها تسري على كل فلسطين التاريخية، لكن خطاب "الفوقية اليهودية" لا يتعدى حدود العنصرية والعرقية البنيوية في إسرائيل ولا يتضمن حق تقرير المصير حتى وان اعتمده نصاًّ قانون القومية للعام 2018 باعتبار حق تقرير المصير من النهر الى البحر حصري لليهود.
خطاب الفوقية اليهودية لا يعني شيئا لتلك الفلسطينية في غزة والنازحة قسراً مرّات عديدة من خيمة الى أخرى خلال ثلاث سنوات، ولا يأتي بأية بشائر الى اللاجئ الذي لا يملك سوى بعض الأمل في حفظ مفتاح الدار والعودة، ولو خيّر بين العودة تحت سقف الفوقية اليهودية او البقاء لاجئا، فإن خياره الإنساني والحقوقي والفلسطيني هو العودة. فيما ان الفوقية اليهودية هي نتاج واقع وليست أساسه.
اختلاف المعايير في ظل الفاشية: فائض الأصوات والموقف من لكلنا مكان
ما يميز الحالة الفاشية هو ان كل ما كان غير ممكنا من ممارسات فاشية او ابادية او تطهير عرقي يصبح قابلا للتطبيق. واستهداف الفلسطينيين يصبح مبررا لكونهم فلسطينيين، دون أي اكتراث لمواقفهم أي اعتبار وجودهم غير شرعيّ. هذا ما حدث في نكبة العام 1948 وهذا ما يحدث حاليا في غزة والضفة والطريق الى الداخل بات قصير جدا.
على ارض الواقع لنتصور ان كتلة ائتلاف نتنياهو الحالي الفاشي تفوقت وحصلت على 61 مقعدا الامر الذي ربما كان بالإمكان منعه لو كان فائض أصوات بين المشتركة الثلاثية والموحدة، او لو تم ضم الحزب الجديد "لكلنا مكان" الى المشتركة في صيغة ممكنة بعد أن اصبح أمرا قائما ولا يختلف برنامجه السياسي عن القاسم المشترك للمشتركة بل يقع ضمنه.
يمكن القول ان نتنياهو هو أكثر من نجح لحد الان في سياسة التجميع السياسي من أجل الجوهر من وجهة نظره، وهو البقاء في الحكم وإنجاز مشاريعه السياسية، وتقوم طريقته الممارسة على منع هدر أي صوت لصالح كتلته الانتخابية، وتقوم سياسته على تجميع كل الأصوات والسعي لمنع هدر أي صوت. وهو يقوم بذلك في تجميع كل القوى الفاشية.
لم يعد متسع كبير من الوقت قبل تقديم القوائم الانتخابية لكن لا يزال ممكنا حسم هذين الامرين بالتفاوض والحوار اذا كانت إرادة. اتفاقية فائض أصوات بين المشتركة والموحدة قد تكون حاسمة عند احتساب الأصوات والمقاعد. هذا لا يلغي الخلافات والاختلافات المتعمقة لكن يجيب على حدود السياسة العربية التي بإمكانها ان تسهم في اسقاط الحكومة الفاشية الابادية. فيما ما لا يقل أهمية في هذا الصدد هو ان اتفاق فائض أصوات من شأنه ان يسهم في هندسة الشرخ القائم ومنع تحوله الى انقسام بنيوي في السياسة العربية قد يدفع الى المزيد من التفكيك بينما الهدف الراهن هو تفكيك المشروع الفاشي.
(يتبع)
المصدر:
كل العرب