أوزبكستان في عيد استقلالها الخامس والثلاثين: تجربة شخصية مع دولة تصنع مستقبلها
بقلم: خالد خليفة
في الأول من سبتمبر المقبل، تحتفل أوزبكستان بمرور خمسة وثلاثين عامًا على استقلالها عن الاتحاد السوفييتي. وبالنسبة لي، لا يمثل هذا التاريخ مناسبة وطنية لدولة بعيدة في آسيا الوسطى فحسب، بل يحمل معنى خاصًا، لأنني زرت أوزبكستان شخصيًا عدة مرات خلال السنوات الست الماضية، وفي كل زيارة كنت أعود بانطباع جديد عن بلد يتغير بسرعة، ويعيد بناء نفسه بثقة وهدوء.
وما لفت انتباهي منذ الزيارة الأولى هو أن أوزبكستان لا تتعامل مع استقلالها باعتباره حدثًا من الماضي، بل باعتباره مشروعًا مستمرًا لبناء الدولة والمجتمع. فمنذ عام 1991، عملت البلاد على تأسيس مؤسساتها، وتنظيم شؤونها الداخلية، وبناء اقتصادها، وتطوير علاقاتها الدولية، وفي الوقت نفسه المحافظة على هويتها وتاريخها العريق.
وخلال زياراتي، شاهدت مجتمعًا يحاول أن يجد توازنًا بين جذوره التاريخية ومتطلبات الدولة الحديثة. أوزبكستان دولة ذات غالبية مسلمة، لكنها اختارت نظامًا علمانيًا، وفي الوقت نفسه حافظت على تراثها الديني والثقافي. وعندما تزور سمرقند وبخارى وخيوة وطشقند، تدرك أن التاريخ ليس مجرد صفحات في الكتب، بل جزء حاضر من حياة الناس ومن هوية الدولة. وقد استطاعت أوزبكستان أن تحول هذا الإرث التاريخي إلى رافعة اقتصادية وسياحية. فالمعالم الإسلامية والحضارية في سمرقند وبخارى وخيوة أصبحت مقصدًا للزوار من مختلف أنحاء العالم، وأصبح طريق الحرير الذي مرت عبره القوافل والعلماء والتجار قبل قرون جزءًا من رؤية جديدة تسعى من خلالها البلاد إلى ربط التاريخ بالسياحة والاستثمار والثقافة والنقل.
لكن الإنجاز الأهم الذي لمسته في تجربتي هو عملية بناء الدولة نفسها. دولة خرجت من الاتحاد السوفييتي عام 1991، كان عليها أن تبني مؤسساتها وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية والدولية من جديد، وأن تتعامل مع واقع جغرافي معقد في قلب آسيا الوسطى. ومع مرور السنوات، تمكنت من ترسيخ علاقاتها مع الدول المجاورة، وخصوصًا طاجيكستان وقرغيزستان وكازاخستان وتركمانستان، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والتجاري.
ومن خلال زياراتي، كان واضحًا أن ملف حسن الجوار يحتل مكانة مهمة في السياسة الأوزبكية. فالتعاون مع دول المنطقة، وحل قضايا الحدود، وتسهيل حركة المواطنين والتجارة، كلها خطوات تعكس إدراكًا بأن استقرار أوزبكستان مرتبط باستقرار محيطها. وهذا ما لا نلمسه في محيطنا الشرق اوسطي فالحالة الطبيعية التي تديرها إسرائيل هي فتح أكثر ما يمكن من جبهات وحروب ففي خضم هذه الايام فهي لا تكتفي ب 5 جبهات بل تفتح جبهة جديدة على تركيا وهذا هو حالنا على عكس ما يجري في اوزباكستان.
وفي كل زيارة، كنت ألاحظ أن طشقند تتغير، وأن المدن الأخرى تتطور، وأن هناك رغبة واضحة في تحسين البنية التحتية والخدمات وفتح البلاد أمام العالم. كما أن السياحة أصبحت عنصرًا مهمًا في الاقتصاد، ليس فقط بسبب الآثار والمعالم التاريخية، وإنما بسبب رغبة أوزبكستان في تقديم صورة جديدة عن نفسها للعالم.
وما يميز هذه التجربة أيضًا هو قدرة الدولة على الجمع بين الحداثة والتراث. ففي الوقت الذي تتوسع فيه التكنولوجيا والجامعات والاقتصاد الرقمي، ما زالت الحرف التقليدية والفنون والأزياء والموسيقى جزءًا أساسيًا من المشهد الثقافي. وهذا التوازن يمنح أوزبكستان شخصية خاصة، فلا هي تدير ظهرها للماضي، ولا تسمح للماضي بأن يمنعها من التقدم.
ومن موقع الصحفي الذي زار هذه البلاد أكثر من مرة، أرى أن التجربة الأوزبكية تستحق أن تكون موضع دراسة من جانب المجتمعات العربية، خصوصًا في موضوع بناء المؤسسات، وتطوير المجتمع المدني، والاستثمار في الشباب، وتحويل التاريخ والثقافة إلى أدوات للتنمية، وبناء علاقات جيدة مع دول الجوار.ولا أقول إن أوزبكستان وصلت إلى مرحلة الكمال، فكل دولة لديها تحدياتها ومشكلاتها. لكن ما يلفت النظر هو الاتجاه العام، والرغبة في التطور، والقدرة على تحويل الإمكانات إلى مشاريع، وعلى التعامل مع الموقع الجغرافي والتاريخي باعتبارهما فرصة وليس عبئًا.
ومع اقتراب الأول من سبتمبر، واحتفال الشعب الأوزبكي بالذكرى الخامسة والثلاثين للاستقلال، أجد نفسي أستعيد مشاهد هذه الزيارات والبعثات واللقاءات التي تركت لدي انطباعًا عميقًا.
لقد تعلمت من التجربة الأوزبكية أن بناء الدولة لا يحدث في يوم واحد، وأن الاستقلال الحقيقي لا يعني فقط رفع العلم وإعلان السيادة، بل يعني بناء المؤسسات، وتطوير الاقتصاد، وتعليم الأجيال، وحماية الهوية، وإقامة علاقات متوازنة مع الجيران والعالم.
وفي عيد استقلالها الخامس والثلاثين، أتمنى للشعب الأوزبكي مزيدًا من الاستقرار والازدهار، وأن تواصل هذه الدولة العريقة مسيرتها في بناء المستقبل، مستفيدة من تاريخها العميق وموقعها المميز وثروتها الأهم: الإنسان.
المصدر:
كل العرب
مصدر الصورة