آخر الأخبار

ارتفاع جرائم القاصرين يقرع جرس الإنذار.. خبراء: الطريق إلى الجريمة يبدأ قبل باب مركز الشرطة

شارك

كشفت معطيات عرضتها الشرطة الإسرائيلية خلال مؤتمر لمديري أقسام التربية والتعليم في حيفا، عن ارتفاع مقلق في انخراط القاصرين في الجريمة والعنف، إذ ارتفعت جرائم القاصرين بنسبة 16% بين عامي 2024 و2025، فيما أُشير خلال المؤتمر إلى ارتفاع بنسبة 25% في الجرائم الخطيرة والاعتقالات.

وتعيد هذه الأرقام إلى الواجهة قضية انخراط القاصرين في عالم الجريمة، والأسئلة حول دور الأسرة والمدرسة والسلطات المحلية والدولة في اكتشاف المؤشرات المبكرة والتدخل قبل وصول هؤلاء الشبان إلى مراكز الشرطة والمحاكم.

وفي حديثين متتاليين لـ”راديو الناس”، تناولت المديرة العامة للجنة متابعة قضايا التعليم العربي، د. سماح خطيب أيوب، الظاهرة من زاوية تربوية ومؤسساتية، فيما قدّم المحاضر والخبير في علم الإجرام د. وليد حداد قراءة للسلوكيات والمؤشرات التي قد تسبق انخراط القاصر في عالم الجريمة.

خطيب أيوب: “من منا يتفاجأ؟”

ترى د. سماح خطيب أيوب أن ارتفاع الأرقام، رغم خطورته، لا ينبغي أن يشكل مفاجأة في ظل الواقع الذي يعيشه المجتمع العربي، مؤكدة أن التعامل مع الظاهرة لا يمكن أن يقتصر على ردود الفعل الأمنية بعد وقوع الجريمة.

وتطرح خطيب أيوب سؤالًا أوسع يتعلق بمسؤولية الدولة والسياسات الحكومية خلال السنوات الماضية: ماذا فعلت الدولة لمواجهة الظاهرة؟ وما الذي نجح من الخطط التي أُقرت، وما الذي لم ينجح؟

وتشير إلى أن المجتمع العربي يواجه تحديات بنيوية متراكمة، إلى جانب تداعيات قرارات حكومية وتقليصات في خطط وميزانيات كان يفترض أن تساهم في تقليص الفجوات الاجتماعية والتعليمية ومواجهة العنف والجريمة.

المدارس العربية أمام “حالة طوارئ مضاعفة”

وحول قدرة المؤسسات التعليمية على اكتشاف القاصرين المعرضين للانزلاق إلى الجريمة، تقول خطيب أيوب إن جهاز التربية والتعليم العربي يعاني نقصًا في الموارد والأدوات والكوادر المهنية، في وقت تتزايد فيه المسؤوليات الملقاة على عاتق المدارس.

وتصف الوضع بأنه “حالة طوارئ مضاعفة”، نتيجة تراكم العنف والجريمة والأزمات التعليمية والاجتماعية والنفسية، إلى جانب الضغوط المالية التي تواجهها السلطات المحلية العربية.

وترى أن تحميل المدارس مسؤولية معالجة الظاهرة من دون توفير الأخصائيين والموارد اللازمة لن يؤدي إلى نتائج حقيقية، مشددة على ضرورة بناء منظومة تربوية قادرة على رصد المخاطر والتدخل في مراحل مبكرة.

“التسرب الخفي”.. طالب حاضر في المدرسة وغائب عن التعليم

ومن بين الظواهر التي تثير القلق، بحسب خطيب أيوب، ما يعرف بـ”التسرب الخفي”، حيث يكون الطالب مسجلًا في المدرسة ويحضر إليها، لكنه لا يكون منخرطًا فعليًا في العملية التعليمية.

وتوضح أن لجنة متابعة قضايا التعليم العربي طرحت في السابق ضرورة تطوير أدوات ومعايير لرصد هذه الظاهرة، لأن بقاء الطالب داخل المدرسة لا يعني بالضرورة أنه جزء فعلي من البيئة التعليمية.

وتزداد خطورة الأمر عندما يكون القاصر حاضرًا جسديًا في المدرسة، لكنه يفقد تدريجيًا علاقته بالتعليم وينجذب إلى بيئات اجتماعية أخرى قد تكون أكثر عرضة للعنف والجريمة.

أكثر من ألف محاضرة للشرطة.. لكن هل تكمن الوقاية في المؤسسة الأمنية؟

وتطرقت خطيب أيوب إلى إعلان الشرطة تنفيذ أكثر من ألف محاضرة داخل المدارس، مع الإشارة إلى عدم قدرتها على تلبية جميع الطلبات.

إلا أنها تتحفظ على تحويل الشرطة إلى لاعب مركزي في برامج الوقاية داخل المؤسسات التعليمية، معتبرة أن دور الشرطة الأساسي يجب أن يبقى في إنفاذ القانون، بينما تقع مسؤولية الوقاية التربوية والاجتماعية على جهاز التربية والتعليم والطواقم المهنية.

وتدعو في هذا السياق إلى تعزيز دور الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، ومعالجة ظاهرة التسرب، ودعم المعلمين، وتوفير الأدوات اللازمة لهم، بدل الاعتماد بصورة متزايدة على حضور الشرطة داخل المدارس.

حداد: القاصر لا يتحول إلى مجرم بين ليلة وضحاها

من جهته، يحذر د. وليد حداد من اختزال الظاهرة في استغلال منظمات الإجرام للقاصرين فقط، مشيرًا إلى أن بعض الشبان يبدأون بأنفسهم في الاقتراب من هذه الدوائر.

وأوضح أن طبيعة التعامل القانوني مع القاصرين تميل بدرجة أكبر إلى العلاج وإعادة التأهيل مقارنة بالبالغين، الأمر الذي قد يجعلهم هدفًا سهلًا للاستغلال من قبل الجهات الإجرامية.

لكن حداد يرى أن الجانب الأكثر خطورة يتمثل في وجود قاصرين ينجذبون طوعًا إلى هذه البيئة، بدءًا من تقليد شخصيات مرتبطة بعالم الجريمة في الملابس وطريقة الحديث والسلوك، وصولًا إلى محاولة بناء علاقات وصداقات تقربهم من هذه الدوائر.

ويحذر من أن الأمر قد يصل، في بعض الحالات، إلى أن يصبح الانضمام إلى عالم الجريمة “حلم حياة” لدى القاصر.

من الخجل إلى التباهي بالجريمة

ويشير حداد إلى تغير في نظرة بعض الشبان إلى الشخصيات المرتبطة بالجريمة، موضحًا أن الانتماء أو القرب من عالم الجريمة كان في السابق مصدرًا للوصمة الاجتماعية، بينما أصبح بعض الشبان يتباهون اليوم بمعرفة شخصيات إجرامية أو الاقتراب منها.

ويلفت كذلك إلى تأثير شبكات التواصل الاجتماعي والمحتوى الذي يستهلكه القاصر، معتبرًا أن الاهتمام المتزايد بالمحتوى الذي يمجد العنف والجريمة قد يشكل أحد المؤشرات التي ينبغي للأهل والمدرسة الانتباه إليها.

مؤشرات مبكرة.. قبل الوصول إلى الشرطة

ويؤكد حداد أن القاصر لا “ينام طبيعيًا ويستيقظ مجرمًا”، بل إن الانخراط في الجريمة عادة ما يسبقه تغير تدريجي في السلوك.

ومن بين المؤشرات التي يدعو الأهل إلى الانتباه إليها: تغير دائرة الأصدقاء، تقليد سلوكيات مرتبطة بعالم الجريمة، الغياب المتكرر عن المدرسة، التغير المفاجئ في نمط الإنفاق، وامتلاك أموال أو مقتنيات لا تتناسب مع الوضع الاقتصادي المعروف للقاصر.

ويطرح حداد أسئلة مباشرة على الأهل: من هم أصدقاء أبنائنا؟ أين يقضون أوقاتهم؟ ومن أين يحصلون على الأموال التي ينفقونها؟

“ابنك عمره 17 عامًا ويعيش بمستوى مرتفع.. من أين المال؟”

ويتوقف حداد بصورة خاصة عند مسؤولية الأسرة، مستذكرًا حالات تعامل معها خلال سنوات عمله في مجال الأحداث.

ويشير إلى وجود عائلات لم تكن تعرف مصدر الأموال التي يمتلكها أبناؤها القاصرون، رغم امتلاكهم دراجات نارية أو إنفاق مبالغ كبيرة بصورة مستمرة.

ويتساءل: “هل يعقل أن يكون ابنك عمره 17 عامًا، عنده دراجة نارية ويعيش بمستوى عالٍ، وأنت لا تسأله من أين يأتي بالمال؟”.

ويؤكد أن هذه الحالات لا ترتبط بطبقة اجتماعية أو اقتصادية محددة، بل تشمل عائلات من خلفيات مختلفة، بما فيها أبناء أطباء ومحامين ومحاضرين وأصحاب مهن مختلفة.

الأسرة والمدرسة.. خط الدفاع الأول

ورغم اختلاف زاوية تناول الضيفين للظاهرة، فإن حديثهما يلتقي عند نقطة أساسية: الوقاية يجب أن تبدأ قبل وصول القاصر إلى مركز الشرطة.

فمن وجهة نظر خطيب أيوب، تحتاج المدارس إلى منظومة تربوية مزودة بالأخصائيين والموارد والأدوات اللازمة لرصد التسرب والمخاطر والتعامل معها مبكرًا.

أما حداد، فيشدد على ضرورة استعادة الأهل لدورهم في متابعة حياة أبنائهم، ومعرفة أصدقائهم وأماكن وجودهم ومصادر أموالهم والتغيرات التي تطرأ على سلوكهم.

وتقول خطيب أيوب إن لجنة متابعة قضايا التعليم العربي تعمل أيضًا على مبادرات ميدانية لتعزيز الحصانة النفسية لدى الطلاب والطواقم التربوية والأهالي، لكنها تؤكد أن حجم الأزمة يتطلب تدخلًا مؤسساتيًا واسعًا، ولا يمكن تحميل المدارس أو المبادرات المحلية وحدها مسؤولية مواجهتها.

تحذير من استمرار ارتفاع الأرقام

ويحذر حداد من أن معدلات جرائم القاصرين قد تواصل الارتفاع في حال عدم وضع خطة حكومية طويلة الأمد تركز على الشباب والقاصرين، وتجمع بين الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل.

ويرى أن التدخل في المراحل المبكرة يمنح القاصر فرصة حقيقية للابتعاد عن عالم الجريمة، بينما تصبح عملية إخراجه من هذه البيئة أكثر تعقيدًا كلما طال أمد انخراطه فيها.

وتكشف المعطيات والنقاشات التي رافقتها أن ارتفاع جرائم القاصرين لا يمكن التعامل معه باعتباره ملفًا أمنيًا فقط، بل هو قضية تربوية واجتماعية وأسرية وحكومية، تبدأ أحيانًا من طالب يفقد ارتباطه بالمدرسة، أو شاب تتغير دائرة أصدقائه ومصادر أمواله، وقد تنتهي، في حال غياب التدخل، بالانضمام إلى عالم الجريمة.

الصّنارة المصدر: الصّنارة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا