يتكشّف في السنوات الأخيرة واقعٌ مقلق يعيشه المواطن العربي داخل إسرائيل، واقع لا يتجلّى في القوانين المكتوبة بقدر ما يظهر في تفاصيل الحياة اليومية، في البوابات، وفي نظرات الحراس، وفي التعليمات غير المعلنة التي تتحوّل إلى ممارسات ثابتة. فالعربي الذي يريد أن يدخل شاطئاً أو حديقة عامة أو مركز تسوّق أو مطاراً، يجد نفسه أمام منظومة كاملة من الحواجز غير المرئية، حواجز لا تُعلن عن نفسها لكنها تعمل بفعالية، وتعيد إنتاج علاقة مختلّة بين الدولة ومواطنيها العرب. هذا الواقع ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج مباشر للجوّ السياسي العام الذي تصنعه القيادة الحكومية الحالية، جوّ يشرعن الشكّ، ويُطلق يد من يحملون نزعات عنصرية ليصبحوا “أصحاب قرار” في بوابة كل منشأة.
تتكرر الحوادث حول منع دخول العرب إلى الحدائق العامة، حيث يُفاجأ البعض بأن الحديقة “مغلقة بسبب الاكتظاظ”، بينما يشاهدون آخرين يدخلون دون أي تدقيق. هذه الحجج التنظيمية التي تبدو محايدة تُستخدم في كثير من الأحيان بشكل انتقائي، فتتحوّل إلى أداة فرزٍ هوياتي. وفي مدن مختلطة، باتت بعض الحدائق تُدار وكأنها ملكية خاصة، يقرر حارسٌ أو مفتشٌ من يستحق الدخول ومن لا يستحق، وفقاً لانطباعات شخصية أو تعليمات غير مكتوبة، لكنها واضحة في طريقة التعامل مع العرب.
الأمر لا يقتصر على الحدائق. مراكز التسوّق الكبرى، التي يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للجميع، أصبحت بالنسبة لكثير من العرب مكاناً محفوفاً بالتوتر. تقارير عديدة تتحدث عن استيقاف العرب عند البوابات، تفتيش حقائبهم دون سبب، أو توجيه أسئلة لا تُطرح على غيرهم. هذه الممارسات، حتى لو كانت تُبرّر تحت عنوان “الأمن”، تتحوّل في التطبيق إلى تمييز على أساس قومي، يترك أثراً نفسياً عميقاً ويجعل زيارة مركز تسوّق تجربة مشحونة بالقلق. فالعربي يدخل وهو يعلم أنه قد يُعامل كخطر محتمل، لا كمواطن يمارس حقه الطبيعي في الاستهلاك والحركة.
أما المطارات، فهي قصة أخرى من قصص الإذلال. التفتيشات الأمنية التي يفترض أن تكون مهنية ومحايدة، تتحوّل بالنسبة لكثير من العرب إلى تجربة قاسية تتجاوز حدود الأمن إلى حدود الإهانة. تقارير حقوقية وإعلامية تشير إلى تفتيشات جسدية مطوّلة، استجوابات لا علاقة لها بالسفر بل بالهوية والانتماء، واحتجازات قصيرة بلا مبرر واضح. هذه الإجراءات لا تُطبّق على الجميع بنفس الطريقة، بل تُمارس بشكل انتقائي يخلق شعوراً بأن العربي يجب أن يثبت “براءته” قبل أن يُسمح له بالسفر. السفر، الذي يفترض أن يكون تجربة إنسانية بسيطة، يتحوّل إلى اختبار قاسٍ للكرامة.
في الشوارع والحيّز العام، تتخذ الممارسات شكلاً أكثر نعومة لكنه لا يقل خطورة. مضايقات في المقاهي، نظرات شكّ، تعامل متحفّظ من قبل بعض عناصر الأمن أو الموظفين، واستهداف في فعاليات عامة أو جلسات بلدية. هذه التفاصيل الصغيرة، حين تتكرر، تخلق شعوراً بأن الوجود العربي نفسه يُنظر إليه كتهديد، وأن المواطن العربي يعيش في فضاء عام لا يشعر فيه بالأمان الكامل، ولا بالانتماء غير المشروط.
هذا الواقع لا يمكن فصله عن الجوّ السياسي العام الذي تصنعه القيادة الحكومية العنصرية الحالية. الخطاب السياسي الذي يشيطن العرب، وينزع الشرعية عن قياداتهم، ويصوّرهم ككتلة غير موثوقة، يخلق مناخاً يسمح للعنصرية بأن تخرج من مخابئها وأوكارها النتنه. حين يُكرّر مسؤولون في مواقع السلطة خطاباً يقوم على الشكّ والتحريض، فإنهم يمنحون “مرضى النفوس” شعوراً بالقوة، ويجعلونهم يعتقدون أنهم مخوّلون بأخذ زمام الأمور في بوابة كل منشأة. الحارس في مركز تجاري، المفتش في حديقة، موظف الأمن في مطار، أو عامل في شاطئ، يجدون في هذا المناخ السياسي ما يشجعهم على ممارسة التمييز، وكأنهم ينفّذون “روح القانون” حتى لو لم يكن مكتوباً.
النتيجة هي أن المواطن العربي البسيط، الذي يريد أن يعيش حياة طبيعية، يجد نفسه أمام منظومة كاملة من الإقصاء. هذه المنظومة لا تُعلن عن نفسها، لكنها تعمل في كل مكان: تمنع، تشتبه، تفتّش، وتُهين. والأخطر أنها تُطبع التمييز العنصري، وتحوّله إلى جزء من الحياة اليومية، بحيث يصبح “عادياً” أو “متوقعاً”. حين يُمنع العربي من دخول حديقة أو يُفتّش بشكل مهين في مطار، فإن الرسالة التي يتلقاها ليست مجرد “ارجع”، بل: “مكانك ليس هنا”.
إن مواجهة هذا الواقع تتطلب وعياً مجتمعياً يرفض أن يتحوّل الحارس أو المفتش إلى صاحب قرار في كرامة الإنسان. كما تتطلب مساءلة مؤسسية حقيقية، وخطاباً سياسياً يعيد الاعتبار للمساواة، وتوثيقاً ونشراً مستمراً لكل حادثة، لأن التوثيق والنشر هو السلاح المدني الوحيد الذي يفضح المؤسسات ويجبرها على مواجهة ما تحاول تجاهله. الفضاء العام ليس ملكاً لأحد، لكنه يصادر اليوم من بعض العنصريين، وهذا الانتزاع هو أخطر أشكال التمييز، لأنه يطال الحياة اليومية، ويعيد تشكيل شعور الإنسان بذاته وبمكانه في المجتمع.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
المصدر:
كل العرب