دور المسجد الاجتماعي في إصلاح الفرد وتقويم تصرفاته
لعب المسجد دورا مؤثرا وفاعلا في بناء المجتمع العربي الإسلامي وإصلاح الإنسان طيلة أكثر من أربعة عشر قرنا. فلم يكن المسجد في تاريخنا مجرد مكان تُؤدَّى فيه الصلوات، بل كان مؤسسة تربوية ودعوية واجتماعية، تنطلق منها القيم والمبادئ التي تنظم حياة الإنسان وعلاقته بربه وبنفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه، بل وبالإنسانية جمعاء.
لقد كان المسجد مدرسةً لتعليم الناس الحلال والحرام، وغرس القيم والأخلاق الفاضلة، وتقويم السلوك والتصرفات. وكان يربي الإنسان على أن يجعل ضميره حيا ورقيبا على أفعاله، قبل أن يراقبه القانون أو المجتمع. ومن هنا كان المسجد نورا يضيء الطريق أمام الناس، ويقودهم نحو مجتمع المؤمنين الذي يسوده الصدق والأمانة، ويبتعد عن الكذب والغش والعنف والجريمة والظلم.
إن المجتمع الذي تنجح المساجد في تربية أفراده على مراقبة الله واحترام الإنسان والالتزام بالقيم، هو مجتمع أقرب إلى الاستقرار والأمن والأمان. فالمسجد الحقيقي لا ينبغي أن ينتهي أثره عند باب المسجد، بل يجب أن يرافق الإنسان إلى بيته وعمله وشارعه وسوقه وكل مكان يتعامل فيه مع الآخرين.
لكننا اليوم، في العالم العربي والإسلامي، بحاجة إلى وقفة جادة لإعادة النظر في رسالة المسجد ودوره السامي. فالقضية ليست أن نرفع الأذان، ونقول: الله أكبر، ثم نصلي ونغادر ونغلق المسجد بعد ساعة من الزمن، ليعود الإنسان بعد ذلك إلى سلوكيات بعيدة عن تعاليم الدين، وكأن الصلاة لم تترك أثرا في أخلاقه وتصرفاته.
إن العبادة الحقيقية يجب أن تنعكس على سلوك الإنسان. فكيف نقبل أن يصلي الإنسان في الصف الأول، ثم يكذب أو يغش أو يظلم أو يعتدي على الآخرين؟ وكيف يكون للمسجد دوره الحقيقي إذا لم يسهم في معالجة ظواهر العنف والجريمة والتفكك الأسري وطلاق الازواج والخلافات والنزاعات التي تعصف بمجتمعاتنا؟
لقد كان المسجد في الماضي مكانا للتعارف بين المصلين، وتوثيق الصلات الإنسانية، وتقوية المحبة والترابط بينهم، وكانت صلاة الجماعة ثمرة من ثمرات الوحدة والأخوة. أما في عصرنا، فقد أصبحت بعض المساجد، مع الأسف، ساحة للتحزبات والانقسامات المذهبية والحركية، حيث تصل الصراعات والتنافس إلى بيوت الله، فتؤدي إلى الفرقة والشقاق، بدلا من أن يكون المسجد عاملا للوحدة وجمع الكلمة.
إن بيوت الله يجب أن تبقى أكبر من الأحزاب والحركات والمذاهب والخلافات الضيقة. فالمسجد ليس ملكا لفئة، ولا منبرا لتصفية الحسابات، وإنما هو بيت الله الذي يجتمع فيه الناس على الإيمان والقيم والأخوة والرحمة.
ومن هنا تبرز أهمية الإمام الواعي والمتعلم، الذي يفهم الشريعة الإسلامية فهما صحيحا ومتوازنا، ويدرك في الوقت نفسه واقع مجتمعه والمشكلات التي يعاني منها الناس. فنحن بحاجة إلى إمام لا يكتفي بتقديم المواعظ العامة، بل يتناول قضايا مجتمعه ومحيطه، ويطرحها بأسلوب حكيم ومتزن، ويناقش أسبابها، ويقدم التوجيه والحلول المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله.
نحن بحاجة إلى أئمة يتحدثون عن العنف والجريمة، وعن احترام القانون، وعن صلة الرحم، وعن مسؤولية الآباء في تربية أبنائهم، وعن خطر المخدرات، وعن الصدق في التجارة، وعن احترام الجار، وعن الحفاظ على البيئة، وعن نبذ العصبية والكراهية. فهذه القضايا ليست بعيدة عن الدين، بل هي جزء أساسي من رسالة الإسلام في بناء الإنسان والمجتمع.
إنني آمل، ونحن نحاول اليوم إحياء دور المسجد في ظل التطورات والتحديات التي مرت بنا وما زالت تعصف بمجتمعاتنا، أن يتحمل كل إمام مسؤولية التوجيه والإرشاد، وأن يشعر بأن له دورا قياديا في إصلاح مجتمعه القريب، وفق تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة، بعيدا عن التعصب والتحزب والانقسام.
كلنا على قناعة بأن وجود إمام واعٍ ومتعلم ومخلص يمكن أن يعيد للمسجد مكانته ودوره الحقيقي، كمركز إشعاع فكري وسلوكي وأخلاقي واجتماعي. فالمسجد القادر على إصلاح الفرد هو القادر على الإسهام في إصلاح الأسرة، والأسرة الصالحة هي أساس المجتمع الصالح.
إننا لا نريد مسجدا يُغلق أثره عند انتهاء الصلاة، بل نريد مسجدا تخرج منه أخلاق الإسلام إلى الشارع والبيت والعمل والمدرسة والسوق. نريد أن يرى الناس أثر تعاليم المسجد في صدق المصلين وأمانتهم ورحمتهم وتسامحهم واحترامهم للآخرين.
فإذا عاد المسجد إلى دوره القيادي والتربوي الحقيقي، وعاد الإمام إلى حمل رسالته في الإصلاح والتوجيه، فإننا نستطيع أن نأمل في بناء فرد صالح ومجتمع أكثر أمنا ووحدةً واستقرارا.
الدكتور صالح نجيدات
المصدر:
كل العرب
مصدر الصورة