منذ أشهر طويلة، يتبنّى بعض رموز اليمين الإسرائيلي حملة تحريضية مسعورة ضد الأطباء العرب، حملة لا تستند إلى أي حقيقة، بل إلى خوف سياسي من نجاح أقلية قررت أن تنتزع مكانها رغم كل الحواجز. هذا التحريض ليس نقدًا، بل محاولة مكشوفة لتشويه شريحة مهنية تُنقذ حياة الإسرائيليين يوميًا، وتثبت أن العرب قادرون على التفوق في أكثر المجالات حساسية وإنسانية. ولو أن نائبًا في أي دولة أخرى استبدل كلمة “عرب” بـ “يهود” في تصريحاته، لكان العالم كله يصرخ فورًا: هذه عنصرية صريحة قبيحة لا لبس فيها.
ماكنة التحريض اليمينية تعمل وفق نموذج ثابت يمكن تفكيكه بسهولة. أولًا، تبدأ بإطلاق ادعاء صادم لا علاقة له بالواقع، مثل “العرب يأخذون مقاعد اليهود في كليات الطب”. ثم تُكرّر الادعاء عبر الإعلام الموالي، وتُضخّمه في شبكات التواصل، وتحوّله إلى “حقيقة شعبية” رغم أنه لا يستند إلى أي رقم أو وثيقة. بعدها، تُستخدم هذه “الحقيقة المصنوعة” لتبرير خطاب سياسي يهدف إلى شيطنة العرب وتصويرهم كتهديد داخلي. هذا النموذج ليس جديدًا؛ إنه نفس النموذج الذي استُخدم ضد اليهود في أوروبا، وضد السود في الولايات المتحدة، وضد المهاجرين في كل مكان. التحريض يبدأ دائمًا بكذبة، ثم يُبنى عليها خوف، ثم يُحوّل الخوف إلى سياسة.
لكن الأرقام الرسمية للمجلس الإسرائيلي للتعليم العالي وتقرير مركز المعلومات في الكنيست تفضح هذه الرواية بالكامل. لا يوجد أي تمييز إيجابي لصالح الطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية. البرنامج الوحيد الذي يقدّم دعمًا هو برنامج صغير للبدو في النقب في جامعة بن غوريون، بينما برامج التفضيل الأكاديمي موجّهة لليهود من أصول إثيوبية، وللمتدينين الحريديم، ولمجندي الاحتياط. ومع ذلك، يخرج بعض السياسيين الكاذبين ليصرخوا بأن “فاطمة ومحمد يأخذان مقاعد اليهود”. هذه ليست مجرد مغالطة، بل اختلاق سياسي هدفه التحريض العنصري لا كشف لحقيقة.
الأرقام المتعلقة بكليات الطب وحدها كافية لنسف هذا الخطاب. نسبة الطلاب العرب في كليات الطب الإسرائيلية لا تتجاوز 9.7%، بينما نسبتهم في السكان 21%. أي أن العرب أقل تمثيلًا، وليسوا “مدعومين” كما يدّعي الخطاب التحريضي. أما علامات القبول، فمتوسط علامة الطلاب العرب هو 725، أعلى من المتوسط العام البالغ 723. هذه الحقائق وحدها تكفي لإسكات كل من يروّج لأسطورة “القبول بالواسطة”، لكنها لا تكفي لإغلاق أفواه من يعيشون على التحريض، لأن مشكلتهم ليست في الأرقام بل في نجاح العرب نفسه.
اليمين المتطرف لا يحتمل حقيقة أن الغالبية الساحقة من الأطباء العرب لا تدرس في إسرائيل أصلًا، بل في جامعات أجنبية، بتمويل عائلات فقيرة أصلًا، من دون أي دعم حكومي أو جامعي. آلاف العائلات العربية باعت ممتلكاتها، واقترضت، واشتغلت ليل نهار كي ترسل أبناءها إلى الخارج. إنجازات الأطباء العرب ليست هدية من الدولة، بل ثمرة عرق الأهالي وتضحياتهم. نجاح العرب لم يأتِ من الدولة، بل رغم الدولة، وهذه الحقيقة وحدها كافية لإرباك ماكنة التحريض التي تحتاج دائمًا إلى رواية تقول إن العرب “يتلقون امتيازات”.
عام 2023، 45% من رخص الطب الجديدة مُنحت لأطباء عرب، واليوم يشكّل الأطباء العرب 27% من مجمل الأطباء في إسرائيل. وفي مجالات أخرى، يشكّل العرب نحو 60% من الصيادلة، ونحو 30% من الممرضين، ونحو 40% من أطباء الأسنان. هذه ليست “هيمنة”، بل نتيجة طبيعية لكفاءات تعمل بجدّ وتسدّ نقصًا خطيرًا في الجهاز الصحي. لكن ماكنة التحريض لا ترى في هذه الأرقام نجاحًا، بل مادة خامًا للترهيب ولإنتاج خوف جديد، لأن نجاح العرب ينسف ثلاث ركائز أساسية في رواية اليمين: أسطورة أن العرب “غير منتجين”، أسطورة أن الدولة تمنحهم امتيازات، وأسطورة أن الاندماج مستحيل.
التحريض على الأطباء العرب ليس مجرد خطاب، بل تهديد مباشر للمرضى. الجهاز الصحي في إسرائيل هو واحد من آخر الأماكن التي بقيت فيها شراكة حقيقية بين اليهود والعرب. كما قال رئيس نقابة الأطباء، البروفيسور تسيون حاغاي، إن المنظومة الصحية هي “جزيرة من العقلانية ومَعلم للمساواة والتعايش”، وإن إدخال السياسة إليها هو عمل خطير يهدد حياة الناس. الأطباء العرب يعالجون الجميع بلا تمييز، في أيام السلم والحرب، في غرف الطوارئ والعمليات، في المستشفيات والعيادات. التحريض عليهم لا يهددهم وحدهم، بل يهدد كل مريض يحتاج إلى طبيب ماهر، بغض النظر عن هويته.
ماكنة التحريض اليمينية تعرف جيدًا أن نجاح العرب في الطب هو الصفعة الأكبر لروايتها السياسية، ولذلك تحاول تحويل هذا النجاح إلى “خطر”. لكنها تفشل في كل مرة، لأن الواقع أقوى من الخطاب، ولأن المرضى يعرفون جيدًا من يقف إلى جانبهم في غرفة الطوارئ، ومن يضع حياته على المحك لإنقاذهم، ومن يعمل ليل نهار في المستشفيات الحكومية، ومن يثبت أن المهنية لا تعرف هوية ولا دينًا ولا قومية.
إنجازات الأطباء العرب ليست منّة من أحد، بل انتصار على التمييز، وعلى التحريض، وعلى كل محاولة لإقصاء العرب من المشهد المهني. الأطباء العرب هم أبناء مجتمع قرر أن ينجح رغم كل شيء، وأن يثبت أن الطريق إلى الكرامة يمر عبر التعليم والعمل، لا عبر انتظار امتيازات لا تأتي. اليمين يستطيع أن يصرخ كما يشاء، لكن الحقيقة أقوى: الأطباء العرب هم العمود الفقري للجهاز الصحي في إسرائيل، شاء من شاء وأبى من أبى.
المصدر:
كل العرب