قالت البروفيسور نهاية داوود، رئيسة لجنة المتابعة للقضايا الصحية، إن العنصرية والهجمة التي تتعرض لها الطواقم الطبية العربية الفلسطينية ليست سلسلة من الحوادث العابرة، ولا يمكن تفسيرها فقط بسلوك فردي أو بتصريح عنصري هنا وهناك، بل ترتبط بمنظومة أعمق تقوم على علاقات غير متكافئة في القوة والمكانة.
وقالت داوود في حديث لموقع بكرا: "هناك افتراض ضمني بأن مجموعة معينة هي صاحبة المكان والسلطة، فيما يُتوقع من مجموعة أخرى أن تبقى في الهامش. لكن هذا الهامش لم يعد هامشًا".
وأشارت إلى أن العقود الأخيرة شهدت إنجازات لافتة للطواقم الطبية العربية الفلسطينية داخل الجهاز الصحي، إذ أصبح الأطباء والطبيبات والممرضون والممرضات والصيادلة والصيدلانيات وغيرهم من أصحاب المهن الصحية جزءًا أساسيًا لا يمكن الاستغناء عنه في المستشفيات والعيادات والمؤسسات الصحية.
وأضافت أن كثيرين من أبناء المجتمع العربي وصلوا، بفضل كفاءتهم وتميزهم العلمي والمهني، إلى تخصصات متقدمة ومواقع أكاديمية وإدارية وقيادية، وأصبح لهم حضور بارز ليس فقط في تقديم العلاج، وإنما أيضًا في البحث والتعليم وتدريب الأجيال القادمة من المهنيين الصحيين.
وترى داوود أن هذا التطور يجعل الصورة أكثر تعقيدًا، لأن النجاح العربي الفلسطيني داخل الجهاز الصحي لا يقتصر على الاندماج المهني، وإنما يغير تدريجيًا علاقات القوة والتراتب التي استمرت سنوات طويلة.
وقالت: "عندما يصبح الطبيب العربي مديرًا، والطبيبة العربية صاحبة قرار، والباحث أو الباحثة العربية مرجعًا علميًا ومهنيًا، وعندما ينتقل أفراد مجموعة اعتُبرت تاريخيًا أقل قوة من موقع التابع إلى موقع الشريك، وأحيانًا إلى موقع القيادة، تبدأ حدود قديمة بالاهتزاز".
وأضافت أن اهتزاز هذه الحدود قد يدفع بعض من اعتادوا امتلاك المكانة والسلطة إلى الشعور بأن شيئًا ما يُنتزع منهم، موضحة أن "المساواة، بالنسبة لمن اعتاد الامتياز، قد تُفسر أحيانًا على أنها خسارة للمكانة".
وبحسب داوود، يصبح هذا الشعور أكثر وضوحًا خلال فترات الأزمات والتوتر السياسي والقومي، وقد ينعكس في أشكال مختلفة من العنصرية والإقصاء والتشكيك بالانتماء والكفاءة، حتى عندما يتعلق الأمر بعاملين يشكلون جزءًا أساسيًا من الجهاز الصحي.
وشددت على أن مواجهة العنصرية ضد الطواقم الطبية الفلسطينية لا يمكن أن تقتصر على إدانة كل حادثة بعد وقوعها، أو الاكتفاء بالدعوات إلى التسامح والتعايش.
وقالت: "المشكلة أعمق، ولذلك يجب أن يكون الحل أعمق أيضًا".
وأوضحت أن المطلوب هو العمل على تفكيك المنظومة التي تسمح بتكرار العنصرية، من خلال فتح مواقع القيادة وصنع القرار بصورة حقيقية ومتساوية، وحماية العاملين من التمييز، ووضع آليات واضحة للمحاسبة على الممارسات العنصرية، ومنح الطواقم العربية الفلسطينية المكانة التي تتناسب مع حجم مساهمتها وكفاءتها وإنجازاتها.
وأكدت داوود أن الطواقم العربية أثبتت بالفعل حضورها وكفاءتها وتميزها في الميدان، وأن التحدي لم يعد إثبات قدرتها على أن تكون جزءًا من الجهاز الصحي.
وقالت: "هذه الطواقم أثبتت ذلك منذ زمن. التحدي الحقيقي اليوم هو ما إذا كانت المؤسسة والمجتمع مستعدين للانتقال من قبول وجودها إلى الاعتراف بها كشريك متساوٍ في القوة والقيادة وصنع القرار".
وختمت داوود حديثها بالقول: "علاج العنصرية لا يبدأ بتجميل المنظومة من الخارج، بل بتغييرها من الداخل".
المصدر:
بكرا