أثارت الاتصالات الجارية بين رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس والسياسي الإسرائيلي يوآف سيغالوفتش نقاشًا واسعًا داخل المجتمع العربي وفي الساحة السياسية الإسرائيلية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الداخلية للموحدة في 22 آب، وفي ظل الحديث عن احتمال إدراج سيغالوفتش في موقع متقدم ضمن قائمة الحزب للانتخابات المقبلة.
وحتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي نهائي عن اتفاق بين الطرفين. ووفق تقارير إسرائيلية، أعطى سيغالوفتش موافقة مبدئية على الانضمام إلى قائمة الموحدة، مع طرح إمكانية وضعه في الموقع الثاني، إلا أن عباس أكد أن أي قرار بشأن ضم شخصيات مستقلة أو إقامة تحالفات سياسية سيُبحث بعد المؤتمر العام وانتخابات الموحدة في 22 آب، وبحسب الجدوى الانتخابية والسياسية وقدرة الخطوة على تعزيز مشاركة الموحدة في حكومة مقبلة.
استقالة من الكنيست
وتعززت التكهنات حول جدية الخطوة بعدما أعلن سيغالوفتش، يوم الخميس الماضي، استقالته من الكنيست وإنهاء مهمته البرلمانية عن حزب "يش عتيد". وقالت تقارير إسرائيلية إن المفاوضات مع الموحدة لا تزال مستمرة ولم تصل بعد إلى اتفاق نهائي، وإن إحدى القضايا التي يجري بحثها تتعلق بالمواقف السياسية والقيم المعلنة للحزب.
وسيغالوفتش هو ضابط شرطة سابق برتبة لواء ومحامٍ، شغل منصب رئيس شعبة التحقيقات والاستخبارات في الشرطة الإسرائيلية، وكان من مؤسسي وحدة "لاهف 433" لمكافحة الجريمة المنظمة والفساد. ودخل الحياة السياسية لاحقًا ضمن "يش عتيد"، وشغل منصب نائب وزير الأمن الداخلي في الحكومة السابقة، حيث تولى مسؤولية مركزية في البرنامج الحكومي لمواجهة العنف والجريمة في المجتمع العربي.
وفي حديث خاص لـ"بكرا"، اعتبر البروفيسور دورون نافوت أن الجدل الدائر حول الخطوة يكشف، في رأيه، مشكلة أوسع في الخطاب السياسي داخل المجتمع العربي، منتقدًا غياب الدعم من جانب مثقفين فلسطينيين غير محسوبين على الموحدة لتوجه منصور عباس السياسي.
الوقوف إلى مسار عباس
وقال نافوت لـ"بكرا" إن "المشكلة ليست في شخصي أو في كوني يهوديًا أو صهيونيًا أو في أي وصف يمكن أن يوجه إليّ. المسألة أوسع من ذلك بكثير"، مشيرًا إلى أنه لم ير حتى الآن، بحسب قوله، مثقفين فلسطينيين غير منتمين إلى الموحدة أو غير محسوبين عليها يقفون بوضوح إلى جانب المسار السياسي الذي يقوده عباس.
وأضاف أن "منصور عباس يحاول فتح إمكانية حقيقية لتحسين واقع العرب والفلسطينيين في إسرائيل والمنطقة، ويظهر قيادة وقدرة على مخاطبة مجموعة الأغلبية، والأهم أنه يمارس السياسة".
وبحسب نافوت، فإن جانبًا كبيرًا من النقاش داخل النخب الفكرية العربية لا يزال ينطلق من سؤال الهوية ومن التخوف من أن يكون التقارب مع الأحزاب والشخصيات اليهودية مشروطًا بالتنازل عن الهوية الفلسطينية.
وقال إن النقاش وصل في أفضل الحالات إلى الاعتراف بوجود "معضلة صعبة" أمام المواطنين العرب، أو إلى رفض تصوير عباس باعتباره خائنًا بسبب توجهه السياسي، لكنه أضاف: "هناك فرق بين الامتناع عن تخوينه وبين الوقوف إلى جانبه ودعم محاولة سياسية يمكن أن تغير الواقع".
نقد حاد
ووجّه نافوت انتقادًا حادًا إلى ما وصفه باستمرار هيمنة "سياسة الهوية والموقف الاعتراضي" على جزء من الخطاب السياسي والفكري الفلسطيني في إسرائيل، معتبرًا أن التمسك بهذا النموذج وحده لم ينجح في تغيير موازين القوى أو الواقع الذي يعيشه المجتمع العربي.
وقال: "السياسة التي تكتفي بالمطالبة بأن يكون الطرف الأقوى عادلًا وأن يصحح المظالم ليست كافية. عندما يبقى الواقع في المكان نفسه، بل يصبح أكثر سوءًا وخطورة، علينا أن نسأل إن كان الخطاب السياسي نفسه بحاجة إلى مراجعة".
وتطرق نافوت بصورة مباشرة إلى الانتقادات التي وُجهت إلى احتمال انضمام سيغالوفتش للموحدة، معتبرًا أن بعض القيادات السياسية التي لم تنجح، وفق رأيه، في إحداث تغيير ملموس تحاول اليوم تعبئة الجمهور العربي ضد الخطوة.
وخصّ بالذكر محمد بركة، الرئيس السابق للجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، منتقدًا أداءه خلال فترة رئاسته، كما انتقد الخلافات بين الجبهة والتجمع والعربية للتغيير حول تشكيل القائمة الانتخابية المشتركة.
وقال نافوت إن "التمسك بالخطاب القومي باعتباره الأداة الوحيدة لمواجهة النزعات القومية المتطرفة في المجتمع اليهودي لا يشكل بحد ذاته سياسة قادرة على تغيير الواقع"، معتبرًا أن المطلوب هو تطوير أدوات سياسية جديدة إلى جانب الحفاظ على الهوية والحقوق الجماعية.
وفي المقابل، أشاد نافوت بالخط السياسي الذي يقوده عباس وبالمواقف التي يطرحها رئيس المكتب السياسي للموحدة يحيى دهماني في السجال الدائر داخل المجتمع العربي.
وأضاف: "من الجيد أن يرد قادة الموحدة على منتقديهم وأن يقود منصور عباس خطوات سياسية غير مسبوقة، لكن السؤال الذي أطرحه هو: ألم يحن الوقت لأن يتخذ أساتذة ومثقفون فلسطينيون لا ينتمون إلى الحركة الإسلامية أو الموحدة موقفًا سياسيًا جديدًا ومفيدًا وأكثر قدرة على التأثير؟".
المعنى من ادراج شخصية يهودية
ويرى نافوت أن أهمية احتمال انضمام سيغالوفتش لا تتعلق بشخصه فقط، بل بما يمكن أن يعنيه إدراج شخصية سياسية يهودية في موقع قيادي داخل حزب عربي، وما إذا كان ذلك سيساعد الموحدة على ترسيخ نموذجها القائم على الشراكة السياسية والمشاركة في الحكم بدل الاكتفاء بالعمل من المعارضة.
لكن القرار لم يُحسم بعد. فبحسب موقف عباس المعلن، تركز الموحدة في المرحلة الحالية على مؤتمرها وانتخاباتها الداخلية في 22 آب، على أن تُبحث مسألة التحالفات وضم شخصيات جديدة بعد ذلك داخل مؤسسات الحزب.
المصدر:
بكرا