تقف لجنة الوفاق غداً أمام اختبار قد يكون الأصعب والأكثر حساسية منذ بدء مساعي تشكيل القائمة الثلاثية التي تضم الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الحركة العربية للتغيير والتجمع الوطني الديمقراطي. فالقرار المرتقب لن يكون مجرد توزيع تقني للمقاعد، بل قد يرسم إلى حد بعيد شكل الخريطة السياسية والحزبية في المجتمع العربي عشية الانتخابات.
ولعل إحدى أهم وظائف لجنة الوفاق اليوم هي تصحيح الخطأ القاتل الذي وقع خلال عملية المفاوضات الثلاثية، عندما جرى الانتقال من التفاوض الثلاثي إلى توقيع مذكرات تفاهم ثنائية بين حزبين على حساب الثالث وما اشبه الامس باليوم ، بدلاً من التوصل إلى تفاهم ثلاثي شامل. هذه الخطوة فجّرت مسار المفاوضات، وعمّقت أزمة الثقة، وأبعدت الأطراف عن الاتفاق بدلاً من أن تقرّبها منه. ومن هنا، فإن مهمة لجنة الوفاق ليست تكريس نتائج ذلك الخلل، بل إصلاحه وإعادة المفاوضات إلى جوهرها الأصلي: ثلاثة أحزاب، شراكة ثلاثية، واتفاق يجب أن يكون مقبولاً ومنصفاً للأطراف الثلاثة.
إذا قدمت اللجنة صيغة متوازنة، تأخذ بعين الاعتبار الوزن السياسي والجماهيري للأحزاب الثلاثة، وتحترم مبدأ الشراكة، فإنها تستطيع أن تفتح الباب أمام إعلان الثلاثية سريعاً، وإنهاء أسابيع من المفاوضات والتجاذبات، ونقل الأحزاب من الخلاف على المقاعد إلى المعركة الحقيقية على أصوات الناخبين.
وهناك معطى أساسي آخر لا يجوز تجاهله: جمهور الأحزاب الثلاثة يريد قائمة مشتركة ثلاثية. القاعدة الشعبية للجبهة والعربية للتغيير والتجمع لا تريد أن ترى خلافاً على ترتيب المقاعد يطيح بإمكانية توحيد القوى الثلاث. ومن هنا، فإن لجنة الوفاق لا تتعامل فقط مع مطالب قيادات حزبية، بل أيضاً مع توقعات جمهور واسع يريد الوحدة ويرى فيها وسيلة لرفع نسبة التصويت وتعزيز التمثيل السياسي العربي.
وفي الأوساط السياسية بدأ يُطرح بالفعل سيناريو آخر، هو قيام قائمة ثالثة في حال تعذر الاتفاق، قد تجمع الحركة العربية للتغيير مع حركة «كلنا مكان» وشخصيات وقوى ميدانية أخرى، كما أشارت الاستطلاعات إلى جدية هذا الخيار الثالث. وإذا تحقق مثل هذا السيناريو، فستكون الخريطة الانتخابية مختلفة جذرياً عما سعى إليه المبادرون إلى مسار الوفاق.
لكن الوزن الحزبي وحده لا يكفي. فمن الخطأ التعامل مع الأحزاب باعتبارها مجرد أرقام جامدة، من دون الأخذ بالحسبان أيضاً الوزن الانتخابي الشخصي لكل اسم من أسماء أعضاء الكنيست والمرشحين المطروحين. ففي الانتخابات، لا يصوت الناس للشعارات والأحزاب فقط، بل للأشخاص أيضاً. وهناك شخصيات تمتلك حضوراً جماهيرياً وشعبية وقدرة مثبتة على جلب الأصوات تتجاوز أحياناً حدود حزبها وقاعدته التقليدية.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن غالبية أعضاء لجنة الوفاق، رغم خلفياتهم الحزبية وانتماءاتهم السياسية، يتحملون اليوم مسؤولية تاريخية وأخلاقية تقتضي منهم أن يرتقوا فوق هذه الانتماءات، وأن يتعاملوا مع الملف كمحكمين منصفين، يعتمدون النزاهة والحكمة والعدل، ويضعون مصلحة القائمة الثلاثية فوق أي اعتبار حزبي أو شخصي.
المطلوب منهم أن ينفصلوا، ولو مؤقتاً، عن خلفياتهم الحزبية وعلاقاتهم التاريخية، وأن ينظروا إلى الصورة الأوسع: ما هو الأفضل للقائمة الثلاثية، وما هو الأكثر عدلاً في توزيع المقاعد وفق الوزن الانتخابي الحقيقي للأحزاب والمرشحين معاً.
هذه ليست مسألة شخصية، بل حساب انتخابي بحت. فالهدف النهائي ليس فقط التوصل إلى اتفاق بين ثلاثة أحزاب، وإنما بناء قائمة قادرة على تحقيق أفضل نتيجة ممكنة في صناديق الاقتراع.
وغداً لن يكون الامتحان للأحزاب وحدها، بل للجنة الوفاق نفسها.
هل ستثبت أنها قادرة على اتخاذ قرار مستقل، متوازن وحكيم، يحفظ كرامة ومكانة الأطراف الثلاثة، يأخذ بعين الاعتبار أوزان الأحزاب وأوزان مرشحيها، ويحترم رغبة جمهورها في إقامة القائمة المشتركة الثلاثية؟ أم ستصدر قراراً يراه أحد الأطراف إقصائياً، فينهار الجسر قبل أن يعبره أحد؟
هناك لحظات سياسية يكون فيها ترتيب مقعد واحد أكثر من مجرد رقم. قد يكون الفارق بين قائمة تتوحد وتبدأ حملتها، وبين مسار سياسي كامل يتفجر وتولد من أنقاضه قائمة ثالثة.
غداً ستكون لجنة الوفاق أمام ساعة الحقيقة: إما أن تكون جزءاً من الحل، وتنجح في إنتاج وفاق حقيقي يترجم رغبة الجمهور في الوحدة، أو أن يتحول قرارها، إذا افتقد التوازن والإنصاف، إلى الشرارة التي تنهي فكرة الثلاثية قبل ولادتها.
وفي الحالتين، لن يُقاس قرار اللجنة فقط بمن حصل على أي مقعد، بل بالنتيجة السياسية التي سيقود إليها: هل قرّب الشركاء من بعضهم، أم دفعهم إلى طرق انتخابية منفصلة؟ وكل قرار تتخذه لجنة الوفاق لا ينتج عنه قائمة ثلاثية متماسكة ومتراضية ومتوافقة فيما بينها سيكون قرارا فاشلا بكل المعايير والذي من شأنه ان نذهب بثلاثة قوائم ونعود على نفس الخطأ الذي اقترفته الاحزاب في الانتخابات الماضية
لجنة الوفاق انها مسؤولية سياسية ومصيرية كبيرة، والتاريخ السياسي لا يتذكر النوايا فقط، بل يتذكر النتائج.
المصدر:
كل العرب