صبح: بصراحة، لا أخفي قلقي من هذه الخطوة. فنحن لا نتحدث عن تعديل إداري عابر، بل عن تغيير جذري في فلسفة إدارة جهاز التربية والتعليم في البلاد. هذا القرار، إذا نُفذ بالشكل المطروح، سيغير العلاقة بين وزارة التربية والتعليم والسلطات المحلية، وسينقل عبئا ومسؤوليات واسعة إلى البلديات، الأمر الذي يستوجب دراسة عميقة واستعدادا حقيقيا، وليس مجرد إعلان أو عنوان إعلامي.
من موقعي كمديرة لقسم المعارف، أرى أن السلطات المحلية تعرف مدارسها أكثر من أي جهة أخرى. نحن نعيش التفاصيل اليومية، نعرف احتياجات كل مدرسة وكل حي، ونتابع عن قرب المعلمين والطلاب والأهالي. ولذلك، فإن توسيع صلاحيات السلطات المحلية قد يتيح مرونة أكبر وسرعة في اتخاذ القرار، ويمنحنا القدرة على بناء برامج تعليمية تتلاءم مع خصوصية كل مجتمع.
ولكن، وهنا تكمن المسألة، فإن الصلاحيات وحدها لا تكفي. لا يجوز أن تُنقل المسؤوليات من دون أن تُنقل معها الموارد المالية، والكوادر المهنية، وآليات الدعم والإسناد. وإلا سنجد أنفسنا أمام معادلة غير عادلة: السلطة المحلية تتحمل المسؤولية الكاملة، بينما الأدوات اللازمة للنجاح تبقى ناقصة. وهذا، كما نقول بالعامية “مش شطارة”، بل تحميل لأعباء قد تفوق قدرة كثير من السلطات المحلية، وخصوصا العربية منها.
ما يقلقني أكثر هو أن وزارة التربية والتعليم راكمت عبر سنوات طويلة خبرة مهنية واسعة، تضم مفتشين، ومستشارين، وأخصائيين، ومنظومات دعم تربوي ونفسي وإداري. فإذا كان المقصود أن تتراجع الوزارة إلى الخلف، وأن تكتفي بدور المراقب أو الممول، فإننا سنخسر جزءا مهما من هذا السند المهني الذي تحتاجه المدارس.
وأنا أؤمن أن التربية هي مشروع إنساني متكامل.. لذلك فإن أي إصلاح يجب أن يحافظ على الشراكة الحقيقية بين الوزارة والسلطة المحلية، لا أن تُستبدل إحداهما بالأخرى.
هناك أيضا قضية لا تقل أهمية، وهي الفجوات بين السلطات المحلية. فليست جميع البلديات تملك الإمكانات نفسها، ولا القدرات الإدارية ذاتها. فإذا لم تُبنَ هذه الخطة على مبدأ العدالة في توزيع الموارد، فإنها قد تؤدي إلى تعميق الفوارق التعليمية بين المدن الغنية والبلدات الضعيفة، بدل أن تقلصها. والطالب في بلدة صغيرة أو في مجتمع عربي له الحق في التعليم نفسه، وفي الجودة نفسها، وفي الفرص نفسها التي يحصل عليها أي طالب آخر.
إذا كانت هذه الخطة تهدف إلى تعزيز الحكم المحلي، فأهلا وسهلا.. أما إذا كانت تهدف، بصورة غير مباشرة، إلى تراجع السلطة المركزية عن مسؤوليتها تجاه جهاز التعليم، فهذا أمر يستوجب التوقف عنده مليا. فالدولة لا تستطيع أن تقول للسلطات المحلية: تفضلوا، هذه المسؤولية أصبحت عندكم، ثم تكتفي بالمراقبة من بعيد.
أنا مع الإصلاح، لكن ذلك الإصلاح المعتمد على منظومة متكاملة، واضحة الصلاحيات، مستقرة التمويل، ومسنودة بخبرة مهنية عالية. عندها فقط يمكن أن نقول إننا أمام خطوة إلى الأمام، لا أمام مغامرة إدارية قد تكون نتائجها غير محسوبة.
وفي النهاية، يبقى الطالب هو المعيار الحقيقي لنجاح أي إصلاح. فإذا انعكس هذا التغيير على جودة التعليم، وعلى مكانة المعلم، وعلى استقرار المدرسة، نكون قد أصبنا الهدف. أما إذا أصبح الإصلاح عبئا جديدا على السلطات المحلية، فسيكون الثمن الذي سيدفعه أبناؤنا عاليا، وهذا ما لا نريده جميعا.
الصنارة: هناك من يشير الى مخاطر في هذه الخطة وأهمها خشية ازدياد الفجوات بين الطلاب، وخاصة بين من يعيشون في سلطات محلية كبيرة وراسخة وبين من يعيشون ويدرسون في مدارس سلطات محلية ضعيفة وصغيرة وفي مناطق الأرياف. ما هو رأيك في هذا التوجه، خاصة وأن سلطاتنا العربية تعد من فئة الضعيفة؟
صبح: أعتقد أن هذه هي القضية الأكثر حساسية في المشروع كله. فالحديث لا يدور فقط حول نقل الصلاحيات، بل حول العدالة في توزيع الفرص التعليمية بين أبناء الدولة.
وإذا لم يُؤخذ هذا البعد بالحسبان، فإننا قد ننتقل من جهاز تعليم يعاني من فجوات، إلى جهاز يكرّس هذه الفجوات ويعمّقها.
دعونا نتحدث بصراحة. السلطات المحلية ليست سواء. هناك بلديات تمتلك موارد مالية ضخمة، وتستطيع أن تستثمر ملايين الشواقل سنويا في التربية والتعليم، وهناك سلطات أخرى، وخصوصا العربية، تكافح يوميا لتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين. فكيف يمكن أن نطلب من الجميع أن يحققوا النتائج نفسها وهم ينطلقون من نقاط بداية مختلفة تمامًا؟
في المجتمع العربي، تعاني معظم السلطات المحلية من ضائقة مالية مزمنة، ومن نقص في المناطق الصناعية، وضعف في مداخيل ضريبة الأملاك، إضافة إلى تحديات اجتماعية واقتصادية معروفة. لذلك، فإن أي خطة تنقل مسؤوليات إضافية إلى هذه السلطات من دون توفير ميزانيات تفاضلية وآليات دعم حقيقية، ستضعها أمام تحديات قد تعجز عن مواجهتها.
وأقولها بكل وضوح: الطالب في شفاعمرو، أو في سخنين، أو في عرابة، أو في أي قرية عربية، لا يجب أن تكون فرصه التعليمية أقل من فرص الطالب في تل أبيب أو رعنانا أو موديعين، فقط لأن البلدية التي يعيش فيها أقل قدرة مالية. التعليم حق، وليس امتيازا مرتبطا بقدرة السلطة المحلية على الدفع.
من تجربتي في إدارة جهاز التعليم، أعرف أن نجاح المدرسة لا يعتمد فقط على مدير متميز أو معلمين أكفاء، بل يحتاج إلى خدمات نفسية، ومستشارين تربويين، وأخصائيين، وبنية تحتية حديثة، وبرامج إثرائية، وتطوير مهني مستمر. وكل هذه العناصر تحتاج إلى استثمار مالي كبير، لا تستطيع جميع السلطات المحلية توفيره من مواردها الذاتية.
لذلك، إذا كانت الدولة جادة في هذا الإصلاح، فعليها أن تعتمد مبدأ التمييز الإيجابي لصالح السلطات الضعيفة، وأن تضمن تحويل ميزانيات عادلة وكافية، وأن تبقي على المرافقة المهنية من وزارة التربية والتعليم. وإلا فإن الإصلاح قد يتحول، من حيث لا نقصد، إلى وسيلة لتوسيع الفوارق بدل تقليصها.
هناك أيضا بعد اجتماعي لا يجوز تجاهله. فالمدرسة رافعة للحراك الاجتماعي، والأداة الأهم لتحقيق تكافؤ الفرص. فإذا ضعفت المدرسة في المجتمعات الهشة، فإن الفجوات ستتسع في التعليم، ثم في سوق العمل، ثم في الاقتصاد، وصولا إلى النسيج الاجتماعي بأكمله.
لذلك، أرى أن نجاح هذه الخطة لا يقاس بعدد الصلاحيات التي تُمنح للسلطات المحلية، وإنما بقدرتها على ضمان المساواة بين جميع الطلاب، بغض النظر عن مكان سكنهم أو الوضع الاقتصادي لسلطتهم المحلية.
وأقولها بلهجة يعرفها الجميع “مش معقول نطالب الجميع يركضوا بنفس السرعة، بينما في ناس عم تركض على طريق معبّدة، وناس ثانية على طريق مليانة حُفر..” هنا يكمن التحدي الحقيقي، وهنا يجب أن تتدخل الدولة لتصحيح ميزان العدالة، لا أن تترك كل سلطة تواجه مصيرها وحدها.
في النهاية إذا نجحنا في ضمان تعليم نوعي ومتساو لكل طفل أو طالب، عندها فقط نستطيع أن نقول إن الإصلاح حقق غايته، وإن العدالة التربوية أصبحت واقعا لا مجرد شعار.
الصنارة: صرح مصدر داخل وزارة التربية والتعليم قائلا: “لقد فشلت الوزارة. لقد وصلت الى نهاية الطريق في الوضع الحالي، ولا يمكن مواصلة السير على هذا النحو. هناك توافق في الآراء بأن المجالس المحلية يمكنها إدارة الجهاز بشكل أفضل، واستغلال الموارد بشكل أنجع”. ما رأيك في هذا التصريح، وهل توافقين عليه، ولماذا؟
صبح: لا أميل إلى الأحكام المطلقة، ولذلك لا أستطيع أن أوافق على القول إن وزارة التربية والتعليم “فشلت”. هذه الوزارة بنت على مدار عشرات السنين جهازا تعليميا متكاملا، وطورت مناهج، وأعدّت أجيالا من المعلمين، وأقامت منظومات مهنية لا يمكن إنكار دورها أو التقليل من شأنها.
لكن، في المقابل، لا يمكن أيضا تجاهل حقيقة أن العالم تغيّر، وأن احتياجات المدارس اليوم تختلف كثيرا عما كانت عليه قبل عشرين أو ثلاثين عاما. المدرسة أصبحت تواجه تحديات تربوية واجتماعية ونفسية وتكنولوجية معقدة، والقرارات المركزية البطيئة لم تعد قادرة دائما على مواكبة الواقع الميداني المتغيّر. من هذا المنطلق، أفهم الدافع وراء هذا التصريح، لكنني لا أتفق مع صياغته.
المشكلة ليست في أن الوزارة فشلت، وإنما في أن النموذج الإداري المركزي، بصيغته الحالية، يحتاج إلى مراجعة وتطوير. وهناك فرق كبير بين أن نقول إن المؤسسة فشلت، وبين أن نقول إن الوقت قد حان لتجديد آليات عملها.
أما القول إن السلطات المحلية تستطيع إدارة الجهاز بشكل أفضل فقد يكون صحيحا أحيانا، لكن لا يمكن الجزم فيه بشكل قاطع.. فالسلطات المحلية تمتلك ميزة لا تملكها الوزارة ، وهي القرب من الناس. نحن نعرف مدارسنا، وطلابنا، واحتياجات أهلنا، ونستطيع اتخاذ قرارات ملائمة لخصوصية كل مجتمع. وهذه ميزة لا يمكن إنكارها.
لكن الإدارة المحلية وحدها ليست ضمانة للنجاح . فهناك سلطات قوية، تمتلك جهازا إداريا متطورا وموارد مالية كبيرة، وهناك سلطات تعاني من نقص في الميزانيات والكوادر والبنى التحتية. لذلك لا يجوز تعميم الحكم بأن جميع السلطات المحلية ستكون أكثر نجاحا من الوزارة.
وأعتقد أن النموذج الأمثل هو الشراكة، لا الاستبدال. وزارة التربية والتعليم يجب أن تبقى المرجعية المهنية، والمسؤولة عن رسم السياسات العامة، وضمان المساواة بين جميع الطلاب، ومراقبة جودة التعليم. وفي المقابل، تُمنح السلطات المحلية صلاحيات تنفيذية أوسع، مع توفير الميزانيات والأدوات المهنية اللازمة. بهذه الطريقة نستفيد من خبرة الوزارة ومن مرونة السلطات المحلية في آن واحد.
كثيرا ما نعتقد أن الحل يكمن في نقل المسؤولية من جهة إلى أخرى، بينما الحقيقة أن النجاح لا يتحقق بتغيير العنوان على باب المكتب، بل ببناء منظومة متكاملة، يكون فيها كل طرف شريكا حقيقيا في صنع القرار وتحمل المسؤولية.
وباختصار، لست مع خطاب جلد الذات، ولست مع تبرئة الواقع من أزماته. أنا مع الاعتراف بوجود حاجة إلى إصلاح عميق، لكن إصلاح يقوم على التعاون والثقة وتكامل الأدوار، لا على تبادل الاتهامات. فالتربية والتعليم ليست ساحة لإثبات من كان على حق، بل هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية، وأي قرار فيها يجب أن يكون المعيار الوحيد لنجاحه هو مصلحة الطالب، ومستقبل المعلم، واستقرار المدرسة.
المصدر:
الصّنارة