كيف يلتقي الخصوم ؟ ولماذا ؟
د. كامل ريان
رئيس مركز أمان
ليس غريبًا أن تختلف مع خصمك السياسي، ولا أن تعارض مشروعه، فهذه سنة السياسة والحياة. لكن الغريب حقًا أن ترى خصمين يقفان على طرفي نقيض، يحمل كل منهما مشروعًا يناقض الآخر، ثم يلتقيان عند هدف واحد: مهاجمة الحركة الإسلامية، والقائمة العربية الموحدة، والدكتور منصور عباس.
إنها مفارقة تستحق التأمل ،فعلى الجانب الأول، تقف الحكومة الإسرائيلية الأكثر يمينية وتطرفًا في تاريخ الدولة، ومعها وزراء وأعضاء كنيست وإعلاميون وجماعات ضغط، يعلنون صباح مساء أن الحركة الإسلامية والقائمة العربية تمثلان خطرًا استراتيجيًا على إسرائيل. وفي خطابهم، لا يُقدَّم الدكتور منصور عباس بوصفه سياسيًا عاديًا، بل بوصفه خصمًا يجب محاصرته سياسيًا، والتضييق عليه، وإضعاف تأثيره، لأنهم يرون أن حضوره السياسي يمنح المواطنين العرب قدرة أكبر على التأثير في صناعة القرار وانتزاع الحقوق المدنية، ويثير لديهم مخاوف من تغير موازين القوة داخل النظام السياسي الذي بني على ظلم المواطنين العرب ونزع الشرعيه عنهم وعن وجودهم.
ولذلك رأينا حملات سياسية وإعلامية وقانونية، وإجراءات استهدفت مؤسسات وجمعيات مرتبطة بالحركة الإسلامية، واتهامات وتحقيقات طالت عددًا من قياداتها في مراحل مختلفة، في سياق صراع سياسي وأمني طويل.
ثم نلتفت إلى الجهة الأخرى من المشهد.هناك، لا نجد من يسأل: لماذا يعتبر خصومنا هذه الحركة خطرًا عليهم؟بل نجد من يردد اتهامات معاكسة تمامًا.
فبينما يقول اليمين الإسرائيلي إن الدكتور منصور عباس يهدد المشروع الصهيوني من الداخل، يخرج آخرون من أبناء شعبه ليقولوا إنه باع القضية.
وبينما يتهمه خصومه الإسرائيليون بأنه يعمل على تعزيز الحضور العربي في مؤسسات الدولة وانتزاع الحقوق، يتهمه خصومه العرب بأنه تخلى عن الثوابت.
وبينما يخشى اليمين الإسرائيلي من تنامي تأثيره السياسي، يخشى بعض معارضيه العرب من مجرد الاعتراف بأي إنجاز يمكن أن يُحسب له.
أي مفارقة هذه؟
كيف يمكن لشخص واحد أن يكون، في الرواية الإسرائيلية، خطرًا على المشروع الصهيوني، ثم يصبح في الرواية العربية خادمًا له؟كيف يمكن أن تكون الخطوتان صحيحتين في الوقت نفسه؟إما أن إحدى الروايتين تبالغ، أو أن الحقيقة أكثر تعقيدًا من الشعارات التي تُرفع في ساحات الخصومة.
لقد بلغ الاستقطاب درجة أصبح معها الدكتور منصور عباس متهمًا من الطرفين، لكن بتهم متناقضة ،ففي الخطاب الإسرائيلي المتشدد، هو “العربي الذي يريد تغيير هوية الدولة” ،وفي الخطاب العربي المتشدد، هو “العربي الذي تخلى عن هوية شعبه”.
هنا تتجلى المأساة ،فالخصومة لم تعد سياسية فحسب، بل أصبحت معركة على السمعة والذاكرة والنية.
لم يعد النقاش يدور حول برنامج سياسي أو موقف من قانون أو ميزانية أو ائتلاف، بل تحول أحيانًا إلى توزيع شهادات الوطنية، وكأن الوطنية صك يمنحه فريق ويمنعه عن آخر.
إن أخطر ما يصيب أي مجتمع ليس وجود الاختلاف، بل احتكار تعريف الوطنية.
عندما يصبح كل مخالف خائنًا، فلن يبقى في الوطن إلا المتشابهون، ولن يبقى في السياسة إلا الصدى.
ومن المؤسف أن بعض الخطابات، بدلاً من محاكمة الأفكار بالأفكار، تلجأ إلى التشهير، والسخرية، والطعن في النيات، وإعادة تدوير الاتهامات، حتى يصبح الخصم السياسي متهمًا قبل أن يتكلم، ومدانًا قبل أن يُسمع دفاعه.
لقد علمتنا التجارب أن المجتمعات القوية تحمي حق الاختلاف، ولا تخشى النقد، لكنها أيضًا ترفض التحريض الذي يحول المنافسة السياسية إلى خصومة شخصية.
إن من حق أي مواطن أن يختلف مع الحركة الإسلامية، أو مع القائمة العربية، أو مع الدكتور منصور عباس، في تقدير المصلحة، أو في الوسائل، أو في ترتيب الأولويات ،لكن ليس من حق أحد أن يحتكر الوطنية، أو أن يصادر نيات الآخرين، أو أن يجعل التخوين بديلاً عن الحوار ،فالسياسة تُقاس بالبرامج والنتائج، لا بالشعارات وحدها ،والوطن لا يبنى بإلغاء المختلف، بل بإدارة الاختلاف.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يظل حاضرًا في أذهاننا جميعًا:كيف اجتمع خصمان لا يجتمعان على شيء، إلا على خصومة جهة واحدة؟ ولماذا أصبح بعضنا يردد، من حيث يدري أو لا يدري، جزءًا من الخطاب الذي يستخدمه الخصم ضد أبناء شعبه؟
إنها أسئلة لا تهدف إلى تبرئة أحد من النقد، ولا إلى منح أحد حصانة سياسية، وإنما إلى إعادة الاعتبار لثقافة الإنصاف ،فالإنصاف لا يعني الاتفاق ،والاختلاف لا يعني التخوين.
والسياسة لا ينبغي أن تتحول إلى محكمة تُوزع شهادات الوطنية، بل إلى مساحة يتنافس فيها المختلفون لخدمة مجتمعهم، ويبقى الحكم الأخير للناس وللتاريخ.
المصدر:
كل العرب