آخر الأخبار

حين يصبح القمع هوية وطنية… نبوءة ليبوفيتش تتغلغل في السياسة الحكومية

شارك

حين يصبح القمع هوية وطنية، لا يعود الحديث عن تجاوزات فردية، ولا عن أخطاء في التقدير، ولا عن انفلاتٍ مؤقّت في السلوك السياسي أو الأمني. يصبح الحديث عن بنية كاملة، عن منظومة ترى في القمع لغةً طبيعية، وفي الإذلال أداةً سياسية، وفي العنف وسيلةً لإدارة المجتمع. هذا بالضبط ما نشهده اليوم في إسرائيل، وما حذّر منه يشعياهو ليبوفيتش قبل ستةٍ وأربعين عاماً، حين قال إن الاحتلال سيقود المجتمع الإسرائيلي إلى التبهيم الأخلاقي، إلى فقدان القدرة على رؤية الإنسان في الآخر، وإلى تحويل الدولة وأجهزتها الامنية إلى جهازٍ قمعيٍّ لا يعرف حدوداً.

لم يكن ليبوفيتش يتنبّأ بالمستقبل، بل كان يقرأ طبيعة الاحتلال. الاحتلال ليس حدثاً عابراً، بل هو منظومة تُنتج قادةً يشبهونها. واليوم، حين نرى وزراء في الحكومة الحالية يتنافسون في إطلاق التصريحات المتوحّشة، وحين نرى بن غفير يتعامل مع مكنته في الحكومة كمنصّة لإشباع غرائزه الانتقامية، ندرك أن الرجل لم يكن مبالغاً ولا متشائماً، بل كان يصف مساراً حتمياً: كلما طال الاحتلال، تآكلت الأخلاق، وكلما تآكلت الأخلاق، صعدت قياداتٌ لا ترى في الفلسطيني سوى مادةٍ وهدفاً للقمع.

ما يحدث اليوم ليس انحرافاً، بل هو تجسيدٌ كامل لنبوءة ليبوفيتش. الأجهزة الأمنية التي تتعامل مع الفلسطينيين كأعداء دائمين، المستوطنون الذين يمارسون العنف بلا خوفٍ من القانون، السياسات التي تُشرعن الإذلال والعقاب الجماعي، كلها ليست أعراضاً، بل هي المرض نفسه. حين يُضرب السجناء ويُعذَّبون ويُمنعون من الطعام والزيارات، حين تُهدم البيوت بوتيرةٍ متصاعدة، حين تُسرق المواشي والمحاصيل من المزارعين، حين يُمنع الناس من الوصول إلى المستشفيات أو التنقّل بين بلداتهم للعمل أو زيارة أقاربهم، فإننا لا نرى فقط انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان، بل نرى تحوّل القمع إلى هوية وطنية.

هذا القمع لم يعد يُمارس في الظلام، بل صار يُعلن على الملأ. حين يقترح وزيرٌ في الحكومة تطويق السجون بالتماسيح، فهو لا يعبّر عن خيالٍ مريضٍ فحسب، بل يعبّر عن ثقافةٍ سياسيةٍ ترى في الفلسطيني جسداً يجب كسره، وفي السجين حيواناً يجب إخضاعه، وفي العقاب الجماعي وسيلةً لإثبات القوة. هذه ليست سياسة أمنية، بل هي سقوطٌ أخلاقيٌّ كامل، سقوطٌ يجعل الدولة نفسها رهينةً لخطابٍ متوحّشٍ لا يعرف حدوداً.

ليبوفيتش قال إن الاحتلال سيحوّل إسرائيل إلى دولةٍ يجب أن يُحمى الإنسان منها، لا دولةٍ تحمي الإنسان. واليوم، حين نرى الجيش يتعامل مع الفلسطينيين كملفّات أمنية لا كبشر، وحين نرى المستوطنين يمارسون العنف كجزءٍ من «واجبٍ قومي»، وحين نرى الحكومة تُبارك هذا السلوك وتُشرعنه، ندرك أن الدولة لم تعد تحمي أحداً، بل صارت هي نفسها مصدر الخطر.

السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم ليس سؤالاً نظرياً: إلى أي مستوىٍ من الحقارة يمكن أن يصل هذا الانحدار؟ وإلى أي دركٍ يمكن أن تنحدر هذه البهائمية؟ الجواب، للأسف، هو أن الانحدار لا قاع له ما دام الاحتلال قائماً. كل يومٍ يمرّ تحت هذه المنظومة هو خطوةٌ إضافية نحو فقدان مما تبقّى من إنسانيةٍ في الخطاب السياسي الإسرائيلي، ونحو تحويل العنف إلى لغةٍ رسمية، والإذلال إلى سياسةٍ حكومية، والتمييز إلى قانونٍ مكتوب.

لكن مسؤوليتنا كأصحاب موقفٍ أخلاقي، ليست فقط في وصف هذا الانحدار، بل في مواجهته. مواجهةٌ بالكلمة، بالموقف، بالثبات على الحق، وبفضح هذا السلوك أمام العالم، وبالتذكير الدائم بأن الاحتلال ليس قدراً، وأن التبهيم الأخلاقي ليس هويةً ثابتة، بل نتيجةٌ يمكن تغييرها حين يتغيّر الأساس الذي أنتجها.

حين يصبح القمع هوية وطنية، يصبح الصمت مشاركة. وما نكتبه اليوم ليس صراخاً في الهواء، بل محاولةٌ لوقف هذا الانحدار قبل أن يصبح جزءاً ثابتاً من هوية الدولة، وقبل أن يصبح العنف لغةً وحيدةً في علاقة إسرائيل بالعالم وبنفسها.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا