لم تعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية مجرد حوادث متفرقة أو أعمال عنف فردية، بل باتت، وفق مؤسسات فلسطينية وتقارير حقوقية ودولية، جزءًا من سياسة ميدانية تتصاعد بوتيرة غير مسبوقة، تستهدف الفلسطينيين وأراضيهم ومصادر رزقهم، في ظل حماية عسكرية إسرائيلية وغطاء سياسي من الحكومة الإسرائيلية.
يأتي الاعتداء الذي شهدته قرية بيتللو شمال غرب رام الله ، اليوم السبت، ليضاف إلى سلسلة طويلة من الهجمات التي تطال القرى والتجمعات الفلسطينية، وسط تحذيرات من أن استمرار هذه السياسة يهدد بمزيد من التوتر والعنف في مختلف أنحاء الضفة الغربية.
وفي أحدث هذه الاعتداءات، هاجم مستوطنون منطقة "الزرقاء" التابعة لقرية بيتللو شمال غرب رام الله، حيث اعتدوا بالضرب على المواطن عصام محمود رضوان وزوجته نهيل يوسف أثناء وجودهما داخل مزرعتهما، ما أدى إلى إصابتهما بجروح ورضوض متفاوتة، استدعت نقلهما إلى المستشفى لتلقي العلاج، بحسب ما أفادت به مصادر محلية.
ويعكس هذا الاعتداء، بحسب مراقبين، نمطًا متكررًا من الهجمات التي تستهدف المزارعين الفلسطينيين خلال تواجدهم في أراضيهم، في محاولة لفرض واقع جديد يمنعهم من الوصول إلى ممتلكاتهم الزراعية، ويؤدي تدريجيًا إلى إفراغ مساحات واسعة من سكانها الفلسطينيين.
وفي هذا السياق، أكد المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، في تقرير حديث، أن ما تشهده الضفة الغربية من اعتداءات متكررة يرقى إلى مستوى سياسة منظمة ومتكاملة، تنفذها مجموعات المستوطنين بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، وتحظى بدعم مباشر من الحكومة الإسرائيلية، بهدف تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وتوسيع المشروع الاستيطاني.
وأوضح التقرير أن سلسلة المجازر والاعتداءات التي شهدتها الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة، وفي مقدمتها مجزرة بلدة تل التي وقعت في الرابع والعشرين من يوليو الماضي، ومجزرة قريوت في مارس الماضي، إضافة إلى الاعتداءات الدامية في قرية المغير ومجزرة دير جرير، كشفت بصورة واضحة طبيعة التصعيد الذي لم يعد يقتصر على أعمال عنف عشوائية، وإنما أصبح جزءًا من منظومة متكاملة تعمل على تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية.
وأشار التقرير إلى أن أحداث بلدة تل بدأت، وفق الرواية الإسرائيلية، بمسيرة نظمها مستوطنون في أطراف البلدة داخل المنطقة المصنفة (ب)، قبل أن تتحول إلى مواجهات دامية انتهت بسقوط ضحايا فلسطينيين، بعدما أطلق الجيش الإسرائيلي النار بزعم حماية المستوطنين، في مشهد اعتبره التقرير دليلًا على التنسيق الميداني الوثيق بين الجيش والمستوطنين خلال تنفيذ هذه الهجمات.
وأضاف التقرير أن المجزرة أعقبها خطاب سياسي إسرائيلي اتسم بتصعيد غير مسبوق، إذ صدرت دعوات من شخصيات إسرائيلية إلى محو البلدة، فيما أصدر وزير الأمن تعليمات بالاستعداد لتوسيع العمليات العسكرية في الضفة الغربية، وهو ما اعتبره التقرير مؤشرًا على وجود غطاء سياسي وعسكري يشجع على استمرار الاعتداءات.
وأكد المكتب الوطني أن الهجمات التي تمتد من الأغوار الفلسطينية شمالًا إلى مسافر يطا جنوبًا تأتي ضمن سياسة منسقة تتقاسم فيها الحكومة الإسرائيلية، والجيش الإسرائيلي، والمستوطنون الأدوار، بما يضمن توسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية، وتقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة.
طالع أيضا: الهستدروت يعزز مكانة الأطباء البيطريين.. زيادات في الأجور وإصلاحات هيكلية لتطوير الخدمات البيطرية
وبيّن التقرير أن حكومة بنيامين نتنياهو توفر، من خلال وزراء اليمين المتطرف، غطاءً سياسيًا واضحًا لهذه الاعتداءات، مشيرًا إلى الدور الذي يؤديه كل من وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير الأمن يسرائيل كاتس، في دعم المشروع الاستيطاني وتعزيز نفوذ المستوطنين في الضفة الغربية.
ولفت التقرير إلى أن هذا التكامل لا يقتصر على المواقف السياسية، بل يمتد إلى توفير الحماية العسكرية للمستوطنين أثناء تنفيذ اعتداءاتهم، سواء من خلال مرافقة قوات الجيش لهم، أو التدخل لقمع الفلسطينيين الذين يحاولون الدفاع عن ممتلكاتهم، إضافة إلى استخدام البؤر الاستيطانية غير القانونية كأداة ضغط لدفع التجمعات الفلسطينية، خاصة الزراعية والرعوية، إلى الرحيل عن أراضيها.
وأشار التقرير إلى أن غياب المحاسبة يمثل أحد أبرز أسباب استمرار هذه الاعتداءات، إذ يتمتع المستوطنون، وفق التقرير، بإفلات واسع من العقاب، الأمر الذي يشجع على تكرار الجرائم وتصعيدها، في ظل ضعف الإجراءات القانونية بحق المتورطين.
واستند التقرير إلى معطيات صادرة عن مؤسسات حقوقية دولية، تؤكد أن عنف المستوطنين في الضفة الغربية يشهد تصاعدًا غير مسبوق منذ بداية العام الجاري، ويتجاوز كونه حوادث فردية ليصبح سياسة ممنهجة تستهدف فرض وقائع جديدة على الأرض.
وفي هذا الإطار، أوضح التقرير أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) وثق أكثر من 1330 اعتداء نفذها مستوطنون في الضفة الغربية منذ مطلع عام 2026، شملت إحراق منازل ومساجد، وتخريب مزارع ومنشآت زراعية، وتدمير شبكات مياه تخدم قرى وتجمعات فلسطينية، فضلًا عن تنفيذ اعتداءات دفعت عشرات العائلات والتجمعات الرعوية والبدوية إلى النزوح عن مناطقها نتيجة ما وصفه التقرير بـ"البيئة القسرية" التي فرضها المستوطنون بدعم من قوات الجيش الإسرائيلي.
كما أشار التقرير إلى أن منظمة العفو الدولية وثقت، في تقارير متعددة، عمليات تهجير قسري وتطهير عرقي طالت تجمعات فلسطينية بأكملها في الضفة الغربية نتيجة تصاعد اعتداءات المستوطنين، مؤكدة أن بعض وزراء الحكومة الإسرائيلية قدموا دعمًا مباشرًا للمستوطنين، شمل تمويلًا ومعدات وآليات ومركبات رباعية الدفع لتسهيل تحركاتهم داخل البؤر الاستيطانية.
وأضاف التقرير أن المنظمة الدولية أكدت في أكثر من مناسبة أن المستوطنين يتمتعون بإفلات شبه كامل من العقاب، في ظل غياب محاسبة حقيقية على الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
وفي جانب آخر، ركز التقرير على الآثار الإنسانية والاقتصادية لهذه الاعتداءات، مشيرًا إلى أن التجمعات الرعوية والبدوية في مناطق الأغوار الشمالية، وظهر الجبل، ومسافر يطا، تعد من أكثر المناطق تضررًا، حيث تتعرض بشكل متكرر لهجمات تستهدف السكان ومواشيهم ومصادر مياههم، بما يؤدي إلى تقويض قدرتهم على البقاء في أراضيهم.
كما أوضح أن الاعتداءات لم تعد تقتصر على مجموعات "شبيبة التلال" أو "تدفيع الثمن"، بل أصبحت تشمل أيضًا وحدات "هاغمار"، وهي وحدات إقليمية تضم مستوطنين يخدمون ضمن قوات الاحتياط الإسرائيلية، وقد توسع نشاطها بصورة ملحوظة منذ أكتوبر 2023.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة الإسرائيلية وزعت آلاف قطع السلاح على فرق الأمن المدنية داخل المستوطنات، بينها أسلحة سلمها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بنفسه في مناسبات مختلفة، وهو ما أسهم، بحسب التقرير، في زيادة مستوى العنف واتساع رقعة الاعتداءات.
وأكد التقرير أن سجلات المحاسبة تكشف حجم الإفلات من العقاب، إذ لم يجر اعتقال أي جندي من هذه الوحدات تسبب في مقتل فلسطينيين في الضفة الغربية منذ عام 2017، فيما أغلقت أكثر من 93% من ملفات التحقيق المتعلقة باعتداءات المستوطنين دون تقديم لوائح اتهام، وهو ما يشجع على استمرار الانتهاكات.
وفي اليوم الذي شهد مجزرة بلدة تل، وجهت منظمات مجتمع مدني إسرائيلية نداءً عاجلًا إلى المجتمع الدولي، دعت فيه إلى اتخاذ خطوات فورية لوقف ما وصفته بتصاعد عنف الميليشيات الاستيطانية والجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، محذرة من استمرار إحراق الممتلكات الفلسطينية، وتهجير السكان، وفرض وقائع ميدانية بالقوة.
واختتم المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان تقريره بالتحذير من أن استمرار هذه السياسات، في ظل غياب إجراءات دولية رادعة ومحاسبة جدية للمسؤولين عن الانتهاكات، ينذر بمزيد من التصعيد، وقد يفتح الباب أمام ارتكاب مجازر جديدة بحق الفلسطينيين، خصوصًا في المناطق الريفية والبدوية التي تتعرض بشكل متواصل لاعتداءات تستهدف وجودها ومستقبلها على الأرض.
إذاعة الشمس
تابع آخر الأخبار بلحظة بلحظة
أخبار عاجلة · تقارير حصرية · مباشر
المصدر:
الشمس