في أم الفحم، خرجت مساء اليوم مظاهرة سلمية احتجاجًا على اقتحام المستوطنين لبلدة تلّ وبلدة صرة وبلدات اخرى في محيط نابلس، وهو اقتحام وثّقته وسائل إعلام محلية ودولية، اظهر مجموعات من المستوطنين تتحرك داخل البلدات تحت حماية الجيش الإسرائيلي الذي انتشر في المنطقة ورافقهم خلال الهجوم. وخلال هذه الاقتحامات والهجمات التي يدللونها في الإعلام الاسرائيلي بتسمية "جولات"، يتم قتل مباشر لفلسطينيين في ظروف تظهر بأنها إعدام ميداني. هذا الانفلات أثار موجة غضب واسعة دفعت أهالي أم الفحم إلى الخروج للتعبير عن رفضهم لهذا التصعيد.
لكن ما حدث في تلّ ليس سوى جزء صغير من صورة أكبر بكثير. الضفة الغربية بأكملها تشهد في الأسابيع الأخيرة تصعيدًا إسرائيليًا واسعًا: اقتحامات متكررة، توسّع في نشاط المستوطنين، عمليات قتل ميداني، وحماية عسكرية مباشرة لمجموعات المستوطنين خلال تحركاتهم. هذا التصعيد، يأتي في سياق استثمار سياسي واضح من قبل اليمين المتطرف الحاكم في إسرائيل، الذي يسعى إلى خلق حالة توتر تخدم مصالحه الانتخابية. فالجيش في الضفة يُستخدم كأداة لفرض واقع ميداني يخدم هذه الأجندة، بينما تُستخدم الشرطة داخل إسرائيل لقمع أي احتجاج عربي يرفض هذا النهج أو يكشف أهدافه.
وهكذا، حين خرجت أم الفحم لتقول “لا” لهذا التصعيد، واجهتها الشرطة كما لو أنها تواجه تهديدًا وجوديًا. خلال دقائق، تحوّلت الساحة إلى مشهد قمعي: عنف مفرط، اعتقالات، تفريق بالقوة، وصوت عربي يُعامل كما لو أنه خطر يجب إسكاتُه. مظاهرة صغيرة تُعامل كما لو أنها تمرّد يجب سحقه، وكأن رفع لافتة بات جريمة، وكأن الهتاف ضد الظلم صار تهمة.
هذا السلوك ليس حادثًا عابرًا، بل هو جزء من سياسة تتعمّق يومًا بعد يوم. شرطة إسرائيل تتصرّف اليوم كجهاز يخشى الحقيقة أكثر مما يخشى الفوضى، ويخشى النقد أكثر مما يخشى الجريمة. إنها سلطة تخشى المرآة التي تكشف عوراتها، فتردّ على الكلمة بالعصا، وعلى الهتاف بالاعتقال، وعلى المطالبة بالحقوق بالقمع. ما حدث في أم الفحم هو فاشية مكتملة الأركان، فاشية لا تحتمل أن ترى نفسها كما هي، فتختار القوة بدل القانون، والترهيب بدل الحوار، وكأنها تقول للمجتمع العربي: “اصمت… وإلا”.
إن ما شهدناه يعيد إلى الأذهان أسوأ مراحل المكارتيزم، تلك الحقبة التي حوّلت النقد إلى جريمة والمعارضة إلى تهمة. اليوم، تُمارس هذه المكارتيّة بنسخة محلية: كل صوت عربي يُعامل كخطر، كل مظاهرة تُصوَّر كفوضى، كل مطالبة بالعدالة تُواجه كتمرّد يجب سحقه. الشرطة، التي يُفترض أن تكون جهازًا مهنيًا، تحوّلت إلى أداة سياسية تُستخدم لإسكات مجتمع كامل بدل حماية أمنه.
ورغم هذا القمع، كانت أم الفحم اليوم مرآة لا يمكن كسرها. الناس وقفوا، هتفوا، رفضوا الصمت، رفضوا أن يُعاملوا كملف أمني، رفضوا أن يُسلب حقهم في التعبير. المشهد كان واضحًا: مجتمع عربي يرفض أن يُكمَّم، يرفض أن يُختزل في صورة نمطية، يرفض أن يُعامل كتهديد، ويصرّ على أن يكون شريكًا كاملًا في الحياة السياسية والاجتماعية.
القمع الذي شهدناه اليوم ليس نهاية القصة، بل بداية فصل جديد في معركة طويلة من أجل الحقوق والحريات. وإذا كانت السلطة تخشى المرآة، فالمجتمع العربي سيواصل حملها، مهما حاولوا كسرها، ومهما اشتدّ القمع. لأن الحقيقة، مهما حاولوا دفنها، ستظلّ أقوى من العصا، وأقوى من الاعتقال، وأقوى من كل محاولات إسكاتها.
المصدر:
كل العرب