آخر الأخبار

الاحتلال ليس نتاج خطاب اليمين… بل ثمرة سياسات حكومية

شارك

الاحتلال ليس نتاج خطاب اليمين… بل ثمرة سياسات حكومية
بقلم: محمد دراوشة

يتم في الخطاب الإسرائيلي العام تصوير الاستيطان والاحتلال وكأنهما نتيجة مباشرة لتصريحات اليمين المتطرف أو لخطاب سياسي حاد يطلقه قادة المستوطنين. غير أن هذا التصوير، رغم جاذبيته، يختزل واقعًا أكثر عمقًا وتعقيدًا. فالمشكلة لا تكمن في الخطاب وحده، بل في البنية السياسية والقانونية التي بنتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1967، والتي جعلت من الاحتلال مشروعًا مستمرًا، محميًا بالقانون، ومموّلًا من الدولة، ومسنودًا بأغلبية برلمانية منتخبة ديمقراطيًا.

فالاستيطان لم يكن يومًا مبادرة هامشية أو فعلًا عابرًا، بل سياسة رسمية دعمتها حكومات من مختلف الأطياف. تُظهر بيانات وزارة المالية الإسرائيلية أن الحكومات المتعاقبة خصصت مليارات الشواقل سنويًا لتطوير البنى التحتية في المستوطنات، وهو ما وثّقه مكتب المحاسب العام الإسرائيلي في تقريره لعام 2023، حيث تجاوزت ميزانيات التطوير في الضفة الغربية 2.6 مليار شيكل في ذلك العام وحده. هذه الأرقام لا يمكن تفسيرها بأنها نزوة يمينية، بل تعكس مشروع دولة قائم بذاته، بغضّ النظر عن هوية رئيس الحكومة أو لون الائتلاف.

كما تُظهر دراسات منشورة في معهد أريئيل للأبحاث أن أكثر من 70% من المستوطنات أُقيمت في سنوات لم تكن فيها الحكومات يمينية صافية، بل حكومات ائتلافية ضمت أحزابًا وسطية ويسارية. هذا يعني أن الاستيطان لم يكن مشروعًا أيديولوجيًا لفئة واحدة، بل سياسة متراكمة تبنّتها الدولة عبر عقود، ورسّختها مؤسساتها الأمنية والقانونية.

الشرعنة القانونية للاحتلال لم تكن أقل وضوحًا. فقد اعتمدت المحكمة العليا الإسرائيلية منذ سبعينيات القرن الماضي على مفهوم “الاحتياجات الأمنية” لتبرير مصادرة الأراضي الفلسطينية، بينما شكّلت أوامر القائد العسكري في الضفة الغربية أساسًا قانونيًا لإقامة عشرات المستوطنات. وفي عام 2017، أقرّ الكنيست قانون “تسوية المستوطنات”، الذي منح شرعية بأثر رجعي لبؤر استيطانية غير قانونية. هذه القرارات لم تصدر عن تيار واحد، بل عن مؤسسات دولة كاملة تعمل ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد.

أما الجمهور الإسرائيلي، فهو جزء أساسي من هذه المعادلة. فالأغلبية البرلمانية التي تستند إليها الحكومات ليست صدفة، بل انعكاس مباشر لخيارات الناخبين. وفق تحليل المعهد الإسرائيلي للديمقراطية لعام 2024، فإن أكثر من 60% من أعضاء الكنيست في العقد الأخير ينتمون لأحزاب تعارض قيام دولة فلسطينية، بينما تُظهر استطلاعات جامعة تل أبيب لعام 2025 أن نحو 55% من الإسرائيليين يرفضون الانسحاب من الكتل الاستيطانية الكبرى. هذا يعني أن السياسات الحكومية ليست انحرافًا عن إرادة الجمهور، بل تعبيرًا عنها.

العنصرية والاستعلاء تجاه الفلسطينيين لم يكونا مجرد خطاب، بل ممارسة محمية ببنية أمنية وقانونية. فقد وثّقت منظمات مثل بتسيلم وهيومن رايتس ووتش نمطًا ثابتًا من عدم محاسبة المستوطنين على اعتداءاتهم، وتبرير العنف باعتبارات أمنية، وتطبيق قانونين مختلفين على الفلسطينيين والمستوطنين في المنطقة نفسها. هذه الممارسات ليست نتيجة تصريحات متطرفة، بل جزء من سياسة مؤسسية رسّختها الدولة عبر عقود.

الخلاصة التي تكشفها الوقائع على الأرض هي أن المشكلة لم تعد مرتبطة بخطاب سياسي عابر أو بتصريحات موسمية تُطلق في لحظات توتر، بل ببنية كاملة تشكّلت عبر عقود من السياسات الرسمية. فالاحتلال والاستيطان تحوّلا إلى منظومة متشابكة من القوانين والميزانيات والمؤسسات التي تعمل بتناغم، وتعيد إنتاج الواقع نفسه مهما تغيّرت الحكومات أو تبدّلت الائتلافات. هذا الواقع لا يُدار فقط من فوق، بل يجد دعمه في خيارات الجمهور الإسرائيلي وفي ثقافة سياسية ترى في السيطرة على الضفة الغربية جزءًا من تعريف الدولة لنفسها. ومع استمرار هذا النهج، تتعمّق الفجوة بين الخطاب السياسي الذي يَعِد بالتغيير وبين بنية سلطوية تُعيد إنتاج ذاتها، ما يجعل أي محاولة لإعادة النظر في مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين رهينة صراع بين مؤسسات رسّخت مشروعًا طويل الأمد، وبين أصوات تحاول مساءلة هذا المشروع من داخله. إن فهم هذه البنية، بما تحمله من تشريعات وتوجهات جماهيرية وممارسات ميدانية، هو الخطوة الأولى نحو قراءة واقعية لمستقبل المنطقة، بعيدًا عن التفسيرات السطحية أو اختزال المشكلة في تصريحات هذا السياسي أو ذاك.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا