لا يختلف اثنان على أن التربية هي الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات، وأن الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها ضمير الإنسان وشخصيته وقيمه. وعندما تضعف التربية أو يُهمل دورها، تبدأ مظاهر التفكك والانفلات بالظهور، وتصبح الفوضى والعنف والفساد واقعا يهدد أمن المجتمع واستقراره.
وللأسف، فقد كثرت في مجتمعنا مظاهر الانفلات والفوضى نتيجة الإهمال التربوي، وبسبب فشلنا في نقل كثير من قيمنا وموروثنا الحضاري والأخلاقي إلى أبنائنا. فكان لذلك أثر بالغ في انتشار أنماط من السلوكيات التي تتنافى مع قيمنا الدينية والاجتماعية، حتى أصبحنا نشهد تراجعا ملحوظا في احترام الأخلاق والحياء، وهما من أهم ركائز بناء الإنسان السوي.
إن الإنسان لا يستطيع أن يحيا حياة كريمة من دون منظومة أخلاقية تضبط سلوكه، وتحفظ له إنسانيته، وتصون المجتمع من الانحراف. فإذا ضعفت الأخلاق وغاب الحياء، أصبح الإنسان أكثر عرضة لاتباع الأهواء والشهوات، بعيدا عن الضوابط التي تحفظ كرامته وكرامة مجتمعه.
ويقول الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾صدق الله العظيم,(سورة الفرقان: 44).
واليوم نعيش موجة من الانفلات الفكري والسلوكي تتجاوز كثيرا من الخطوط الحمراء، حيث تمتلئ بعض منصات التواصل الاجتماعي والإنترنت واليوتيوب بمحتوى يهاجم المبادئ الأخلاقية ويستخف بالقيم، ويعرض سلوكيات يراها كثيرون مخالفة لتعاليم الدين والعادات الاجتماعية، مما يجعل أبناءنا، ولا سيما صغار السن، أكثر عرضة للتأثر إذا غاب التوجيه الأسري والوعي النقدي.
ومن المؤسف أن بعض أبنائنا يأخذون قشور حضارات أخرى ويتركون جوهرها، فيقلدون المظاهر ويغفلون قيم العلم والانضباط والعمل والإبداع التي قامت عليها تلك الحضارات. كما أن الابتعاد عن الدين والروحانيات والقيم الأخلاقية يجعل بعض الشباب أكثر قابلية للانجراف وراء سلوكيات تضر بالفرد والأسرة والمجتمع.
ولا يقتصر أثر الإهمال التربوي على الجانب الأخلاقي فحسب، بل يمتد إلى زيادة مظاهر العنف والجريمة، وإضعاف روح المسؤولية والانتماء، مما ينعكس سلبا على الأمن والسلم الأهلي، ويجعل المجتمع يدفع ثمنا باهظا من استقراره ومستقبل أبنائه.
ومن الكلمات التي كان لها أثر تربوي عظيم في مجتمعنا كلمة "عيب". فقد كانت هذه الكلمة البسيطة تختصر منظومة كاملة من القيم والحياء والاحترام، وكانت بمثابة بوصلة أخلاقية تضبط السلوك قبل الحاجة إلى العقوبة. وكان الكبار يوجهون الصغار بكلمة واحدة، فيتقبلها الجميع باحترام، لأنها كانت تصدر عن حرص ومحبة، لا عن إهانة أو تعالٍ.
لقد تربينا على كلمة "عيب" في بيوت الآباء والأجداد، فتعلمنا احترام الكبير، وصيانة اللسان، والمحافظة على الجيران والملك العام والذوق العام، والالتزام بالأدب في التعامل مع الآخرين . وكانت هذه الكلمة مدرسة تربوية متكاملة، خرّجت رجالا عُرفوا بالمروءة والشهامة والصدق والجدية ، ونساءً اشتهرن بالصبر والحياء وحسن التربية، وأسهمت في بناء مجتمع يسوده الآداب وتسوده المحبة والاحترام.
ولم يكن الآباء والأمهات علماء أو خطباء، قسم كبير لم يعرفوا القراءة والكتابة , لكنهم تعلموا من مدرسة الحياة و امتلكوا حكمة فطرية جعلت من كلمة "عيب" وسيلة لإحياء الفضيلة ورفض الرذيلة. ومع مرور الزمن، تمرد بعض الناس على هذه الكلمة، وظنوا أن التربية الحديثة وحدها تكفي، فتراجعت مكانة "عيب"، ولم ننجح في غرسها في نفوس الأجيال الجديدة، كما لم ننجح دائما في ترسيخ الوازع الديني بالقدر الكافي، فكانت النتيجة اتساع الفجوة القيمية لدى بعض الأبناء.
إن التربية ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين البيت، والمدرسة، ودور العبادة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات المجتمعية كافة. وإذا أردنا أن نبني مجتمعا آمنا ومتماسكا، فعلينا أن نعيد الاعتبار للأخلاق، والحياء، والاحترام، والحوار داخل الأسرة، وأن نكون قدوة صالحة لأبنائنا في القول والعمل.
وأخيرًا وليس آخرا ، فإن الإهمال التربوي لا يزال، بكل أسف، سيد الموقف في كثير من البيوت، وما زلنا نكرر الأخطاء نفسها. وإذا لم نستثمر في تربية أبنائنا تربية صالحة تقوم على الإيمان بالله والقيمة الدينية ، والأخلاق، والعلم، والانضباط، فسيظل مجتمعنا يدفع ثمن هذا الإهمال، وسيبقى ينزف أمنا واستقرارا ومستقبلا.
إن بناء الإنسان الصالح هو أعظم استثمار يمكن أن تقدمه الأسرة لمجتمعها ووطنها، وهو الطريق الحقيقي نحو مستقبل أكثر أمنا واستقرارا ورقيا.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com
المصدر:
كل العرب