آخر الأخبار

المواجهة الأمريكية الإيرانية: هل تحول إلى حرب استنزاف تهدد الخليج والاقتصاد العالمي؟

شارك

المواجهة الأمريكية الإيرانية: هل تحول إلى حرب استنزاف تهدد الخليج والاقتصاد العالمي؟

بقلم: خالد خليفة

لم تعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مجرد جولة جديدة من تبادل الضربات، بل أخذت تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، تحمل تداعيات تتجاوز حدود البلدين لتطال أمن دوا الخليج واستقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي بأسره.
ويبدو أن نقطة التحول الأساسية جاءت بعد توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران بوساطة باكستانية وعدد من الدول، إذ لم تلتزم الولايات المتحدة عمليًا بتنفيذ بنودها، رغم توقيعها عليها. فالعقوبات المالية بقيت قائمة، ولم تُفرج الأموال الإيرانية المجمدة، كما لم تُنفذ الوعود المتعلقة بإنشاء صندوق استثماري أو دفع تعويضات عن الخسائر التي لحقت بإيران جراء الحرب كما خرقت واشنطن هذه المذكرة عندما لم تطبق تفاهماتها بكل ما يتعلق بالاتفاق حول الملاحة في مضيق هرمز. ومع مرور الوقت، تراجعت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن الالتزامات التي تعهدت بها، تحت ضغط تيار متشدد داخل الإدارة يرى أن الاتفاق لا يحقق ويخدم المصالح الأمريكية.

وفي المقابل، عززت إيران من حضورها في مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الأهم لتجارة النفط العالمية، ووسعت من نفوذها البحري بالتنسيق مع سلطنة عُمان، في خطوة منحتها قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة الدولية وأسعار الطاقة. وأصبح المضيق ورقة ضغط استراتيجية تستخدمها طهران في مواجهة واشنطن، بعدما تحول إلى ساحة الصراع الرئيسية بين الطرفين.

ان هذا الواقع الجديد وضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة. فبدلاً من تحقيق مكاسب سياسية عبر مذكرة التفاهم، وجدت نفسها أمام أزمة استراتيجية تتسع تدريجيًا، الامر الذي ادى الى خرق واضح لهذه المذكرة من قبل الولايات المتحدة والبداء بهجوم واسع النطاق على مضيق هرمز واستهداف للبنية التحتية والطاقة في جنوب إيران ينفذه سلاح البحرية الامريكي المتواجد في قواعد أمريكية في دول الخليج والأردن واسرائيل بينما تصدت إيران لهذا الهجوم بهجوما مباشر على اهداف عسكرية أمريكية في الخليج والأردن وسوريا.

وفي الوقت نفسه، ما تزال واشنطن عاجزة عن فرض رؤيتها على ملفات إقليمية أخرى، وفي مقدمتها الحرب في غزة والوضع في جنوب لبنان، حيث تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية اليومية رغم الضغوط الأمريكية.
كما أن الخلافات السياسية بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باتت أكثر وضوحًا، إلا أنها لم تنجح حتى الآن في تغيير مسار الأحداث على الأرض.

أما عسكريًا، فإن استمرار الهجمات الأمريكية على أهداف إيرانية في مضيق هرمز والداخل الإيراني يفتح الباب أمام حرب استنزاف قد تمتد لسنوات. فإيران لا تبدو مستعدة للتراجع، بل تعتمد استراتيجية تقوم على استنزاف القدرات الأمريكية تدريجيًا، واستهداف المصالح العسكرية والاقتصادية في المنطقة، بما في ذلك القواعد الأمريكية وخطوط الملاحة وإمدادات الطاقة.

وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحديات لوجستية وعسكرية متزايدة. فالحفاظ على وتيرة العمليات العسكرية لفترة طويلة يتطلب موارد هائلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية الأمريكية الرافضة للتورط في حرب جديدة مفتوحة في الشرق الأوسط، خاصة مع ارتفاع تكاليف العمليات العسكرية وتأثيرها المباشر على الاقتصاد الأمريكي وأسعار الوقود.

وتشير مؤشرات عديدة إلى أن أي تصعيد إضافي في مضيق هرمز قد يدفع إيران إلى توسيع دائرة المواجهة لتشمل البنية التحتية للطاقة في الخليج، وهو سيناريو ستكون كلفته باهظة على جميع دول المنطقة. فتعطيل الملاحة في هرمز، بالتزامن مع استمرار التوتر في مضيق باب المندب، سيؤثر مباشرة في صادرات النفط والغاز، ويرفع أسعار الوقود عالميًا، ويضع الاقتصاد الدولي أمام أزمة قد تكون الأخطر منذ سنوات.

كما أن دول الخليج ستكون الطرف الأكثر تعرضًا لتداعيات هذه الحرب، بحكم احتضانها للقواعد العسكرية الأمريكية ومنشآت الطاقة الحيوية. وأي مواجهة ممتدة ستنعكس على أمنها الداخلي واستقرارها الاقتصادي، وستهدد سلاسل الإمداد العالمية التي تعتمد بصورة كبيرة على نفط الخليج.

اما في الداخل الأمريكي، فتتزايد الأصوات المطالبة بإعادة النظر في مسار المواجهة. ويبرز نائب الرئيس جي دي فانس ضمن الشخصيات التي ترى أن الحل يكمن في العودة إلى طاولة المفاوضات وصياغة اتفاق جديد يوقف التصعيد ويحفظ مصالح الطرفين، بدلاً من الانزلاق إلى حرب استنزاف لا يملك أي طرف ضمانات لحسمها.

ولعل التاريخ يقدم درسًا واضحًا في هذا السياق. فأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 انتهت عندما أدركت واشنطن وموسكو أن استمرار التصعيد سيقود إلى كارثة دولية، وأن الحل السياسي كان أقل كلفة بكثير من استمرار المواجهة العسكرية. واليوم تبدو المنطقة أمام اختبار مشابه، وإن اختلفت الظروف والأدوات.

إن استمرار الولايات المتحدة في خرق مذكرة التفاهم التي وقعتها مع إيران، ومواصلة الهجمات العسكرية في مضيق هرمز، لن يؤدي إلى إنهاء الأزمة، بل قد يمنح طهران فرصة لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد تستنزف القدرات الأمريكية وتهدد أمن الخليج واستقرار الاقتصاد العالمي. ومع كل يوم تستمر فيه المواجهة، تتزايد احتمالات اتساع دائرة الصراع، وتتضاعف المخاطر على أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.

ولا يزال خيار وقف إطلاق النار والعودة إلى المفاوضات هو المسار الأكثر عقلانية لجميع الأطراف. فاستقرار الخليج ليس مصلحة إقليمية فحسب، بل ضرورة للاقتصاد العالمي، وأي انزلاق نحو حرب مفتوحة لن ينتج رابحًا حقيقيًا، بل سيترك المنطقة والعالم أمام أزمة سياسية واقتصادية يصعب احتواء آثارها لسنوات طويلة.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا