شكل نحو ألفي شاب من أعضاء حزب «الديمقراطيين» الإسرائيلي مجموعة ضغط داخلية تهدف إلى التأثير في هوية مرشحي الحزب وبرنامجه السياسي، وإعادة قضايا السلام والمفاوضات وإنهاء الاحتلال إلى صدارة النقاش، بعد سنوات تراجعت خلالها هذه الملفات أمام القضايا الاجتماعية والمدنية.
وجاءت المبادرة ضمن «منتدى دوف»، وهو اختصار لعبارتي «الديمقراطية والأمن»، الذي نظم مؤتمرا في تل أبيب بمشاركة أعضاء كنيست ومرشحين في الانتخابات التمهيدية للحزب.
ويعتزم أعضاء المنتدى دعم المرشحين الذين يلتزمون بمسار سياسي واضح، يشمل استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، وتأييد حل الدولتين، وإخلاء مستوطنات، والتعاون مع الأحزاب العربية.
ويرى مؤسسو المنتدى أن فشل سياسة «إدارة الصراع»، ولا سيما بعد أحداث السابع من أكتوبر والحرب على غزة، يفرض على اليسار الإسرائيلي تقديم بديل سياسي واضح، بدلا من الاكتفاء بانتقاد الحكومة أو التركيز على ملفات اقتصادية واجتماعية.
وخلال المؤتمر، طُرحت على المرشحين أسئلة مباشرة حول مستقبل المستوطنات، وحدود التعاون مع الأحزاب العربية، والموقف من إقامة دولة فلسطينية، وكيفية إقناع الجمهور الإسرائيلي بأن التسوية السياسية يمكن أن توفر الأمن.
وعكس النقاش محاولة داخل الحزب للفصل بين خطاب يساري عام يدعو إلى المساواة والديمقراطية، وبين برنامج سياسي عملي يتناول الاحتلال والمستوطنات والعلاقة مع الفلسطينيين.
تنظيم مستوحى من نفوذ المستوطنين في الليكود
تأسس المنتدى على يد ناشطين شاركوا في الاحتجاجات ضد خطة التغييرات القضائية، ثم قرروا تحويل النشاط الاحتجاجي إلى قوة منظمة داخل المؤسسات الحزبية.
وساهم عدد منهم في الدفع نحو توحيد حزبي العمل وميرتس في إطار «الديمقراطيين»، قبل أن يؤسسوا تنظيم «الديمقراطيين الشباب» ومنتدى الضغط الجديد.
واستوحى النشطاء فكرتهم من قدرة مجموعات المستوطنين على التأثير في حزب الليكود من خلال التجنيد المنظم لأعضاء الحزب، والتصويت الجماعي في الانتخابات التمهيدية، ودعم مرشحين يلتزمون بأجندتهم.
لكنهم يقولون إن هدفهم ليس تقليد شبكات المصالح أو تجنيد أعضاء بصورة صورية، بل بناء كتلة أيديولوجية قادرة على فرض القضايا السياسية على قيادة الحزب.
وتقوم الفكرة على أن قوة اليمين لم تنبع فقط من شعاراته، بل من امتلاكه رؤية واضحة حول الأرض والأمن وهوية الدولة، في حين تراجع اليسار عن تقديم تصور متكامل لمستقبل الصراع.
محاولة لإحياء اليسار السياسي
خلال العقدين الماضيين، ابتعدت أحزاب يسار الوسط الإسرائيلية تدريجيا عن استخدام مصطلحات مثل «الاحتلال» و«السلام» و«إخلاء المستوطنات»، خشية فقدان أصوات من المركز السياسي.
وركز حزب العمل، في مراحل مختلفة، على القضايا الاجتماعية والاقتصادية، بينما انحصر خطاب ميرتس في الدفاع عن حقوق الإنسان ومناهضة الانتهاكات، من دون نجاح في تحويل هذه المواقف إلى مشروع سياسي يحظى بتأييد جماهيري واسع.
ويرى ناشطو المنتدى أن هذا التراجع سمح لليمين باحتكار خطاب الأمن، وربط أي انسحاب أو تسوية سياسية بالخطر على حياة الإسرائيليين.
لذلك يسعون إلى تقديم حل الدولتين والتسوية السياسية باعتبارهما وسيلة لتحقيق الأمن، وليس فقط استجابة أخلاقية أو قانونية لمعاناة الفلسطينيين.
وأكدت نقاشات المؤتمر أن المنافسة داخل «الديمقراطيين» لم تعد تقتصر على هوية الأشخاص، بل تشمل طبيعة الحزب نفسه: هل يتحول إلى حزب يسار سياسي واضح، أم يواصل التوجه نحو الوسط سعيا إلى المشاركة في ائتلاف واسع يضم أحزابا يمينية.
الشراكة مع الأحزاب العربية
احتلت العلاقة مع الأحزاب العربية مكانا مركزيا في المؤتمر، إذ سُئل المرشحون عن استعدادهم للتعاون معها في تشكيل حكومة أو في دعم ائتلاف مستقبلي.
ويحاول المنتدى دفع قيادة الحزب إلى الاعتراف بأن أي معسكر يسعى إلى استبدال حكم اليمين لن يتمكن من تجاهل التمثيل السياسي للمواطنين العرب.
لكن هذه القضية ما زالت تثير خلافا داخل المعسكر، بين من يدعو إلى شراكة يهودية عربية معلنة، ومن يفضل التعاون المحدود مع أحزاب عربية تقبل بشروط الأحزاب الصهيونية وتلتزم بطابع إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.
وذهب بعض النشطاء إلى الدعوة لإجراء حوار حتى مع حزب التجمع الوطني الديمقراطي، معتبرين أن استبعاد الأحزاب العربية يكرس قواعد اللعبة السياسية التي فرضها اليمين.
ويعكس هذا الطرح نقاشا أوسع بشأن حدود المشاركة العربية في السياسة الإسرائيلية، وما إذا كان اليسار مستعدا إلى التعامل مع الأحزاب العربية كشريك متساو، أم كقوة مساندة تتيح له الوصول إلى الحكم.
احتجاج على تجاهل قضية أبو صفية
وقاطعت مجموعة من الناشطات جلسات المؤتمر احتجاجا على تجاهل قضية الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان، المحتجز في إسرائيل دون محاكمة.
ورفعت المحتجات لافتات وطالبن أعضاء الكنيست والمرشحين باتخاذ موقف علني من استمرار احتجازه وظروفه الصحية، منتقدات اهتمام الحزب بالانتخابات التمهيدية في الوقت الذي يلتزم فيه الصمت تجاه انتهاكات يتعرض لها معتقلون فلسطينيون.
وواجه الاحتجاج منظمي المنتدى بسؤال يتعلق بطبيعة الخطاب الذي يسعون إلى بنائه: هل يمكن الحديث عن السلام والأمن دون منح قضايا حقوق الإنسان والانتهاكات اليومية مكانا مركزيا؟
وأقر منظمو المؤتمر بأن خطابهم يركز على الحل السياسي أكثر من الخطاب الأخلاقي، لكنهم أكدوا أن إنهاء الصراع هو الطريق لمعالجة معاناة الإسرائيليين والفلسطينيين معا.
إعادة مصطلح «الاحتلال» إلى برنامج الحزب
بالتوازي مع «منتدى دوف»، يقود صحفيون وناشطون يساريون مبادرة لإعادة مصطلح «الاحتلال» إلى الخطاب الرسمي لحزب «الديمقراطيين».
ويرى أصحاب المبادرة أن الحزب لا يستطيع تقديم نفسه ممثلا لليسار، بينما يتجنب الحديث المباشر عن السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين والاستيطان والعنف في الضفة الغربية.
ويطالبون بأن يصبح الحزب إطارا سياسيا لناشطي السلام، والمتطوعين في حملات حماية المزارعين الفلسطينيين، والمتظاهرين ضد الحرب، ومنظمات حقوق الإنسان التي فقدت خلال السنوات الماضية تمثيلا واضحا في الكنيست.
كما يعتبرون أن الحديث عن السلام وإنهاء الحرب والشراكة اليهودية العربية يمكن أن يوسع قاعدة الحزب، بدلا من أن يضيقها، خاصة في ظل شعور متزايد بالإرهاق من استمرار الحرب.
ويرى هؤلاء أن المنافسة على أصوات الوسط أصبحت شديدة بين عدد كبير من الأحزاب والشخصيات، بينما تركت قضايا السلام والاحتلال والشراكة العربية دون تمثيل سياسي واضح.
القلق من حكومة تضم اليمين
ناقش المؤتمر أيضا احتمال مشاركة «الديمقراطيين» في حكومة مستقبلية تضم أحزابا وشخصيات يمينية، مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان ومتان كهانا.
وطالب ناشطو المنتدى بأن يضع الحزب شروطا واضحة للدخول في مثل هذه الحكومة، تشمل منع ضم الأراضي، ووقف توسيع المستوطنات، وإطلاق مسار سياسي مع الفلسطينيين، وعدم الاكتفاء بالحصول على حقائب وزارية مدنية.
ويخشى النشطاء من أن يتحول الحزب إلى غطاء يساري لحكومة تنفذ سياسات يمينية، كما حدث، وفق تقييمهم، خلال حكومة التغيير السابقة، حين اتفقت الأحزاب على تجميد القضايا الخلافية وعدم مناقشة الصراع الفلسطيني ومكانة الأراضي المحتلة.
وأقرت عضو الكنيست إفرات رايتن بأن تجاهل القضايا السياسية والدستورية في الحكومة السابقة كان خطأ، مؤكدة أن الجمهور يتوقع من الحزب هذه المرة مواقف واضحة.
قائمة مرشحين مدعومين
وفي ختام العملية، اختار مئة عضو من أصل نحو ألفي منتسب إلى المنتدى قائمة مرشحين أوصى بدعمهم في الانتخابات التمهيدية.
وضمت القائمة أعضاء الكنيست نعمة لازيمي وجلعاد كريف، واللواء في الاحتياط نمرود شيفر، وإميلي معاطي، وياريف أوبنهايمر، والمحامية غابي لاسكي، وموران ميشيل، والمحامي نضال مصالحة.
ويأمل مؤسسو المنتدى في تحويل الكتلة الشبابية إلى قوة مستمرة داخل الحزب، لا تقتصر على الانتخابات التمهيدية الحالية، بل تراقب أداء النواب وتضغط عليهم بعد دخول الكنيست والحكومة.
وتكشف المبادرة عن صراع داخلي على هوية «الديمقراطيين» ومستقبل اليسار الصهيوني، بين تيار يسعى إلى العودة إلى السلام والتسوية والشراكة العربية، وتيار يخشى أن يؤدي الخطاب الواضح بشأن الاحتلال والمستوطنات إلى إبعاد ناخبي الوسط.
ويعتقد النشطاء أن استمرار الحزب في تبني خطاب قريب من أحزاب الوسط سيجعله يفقد مبرر وجوده، بينما يمكن للعودة إلى القضايا السياسية الكبرى أن تمنحه هوية واضحة وقاعدة انتخابية جديدة.
المصدر:
بكرا