حذّر البروفيسور محمد وتد، رئيس الكلية الأكاديمية رمات غان، وأستاذ في القانون، وباحث متخصص في القانون الدستوري والجنائي والدولي، من الاعتقاد بأن تغيير الحكومة بعد انتخابات الكنيست المقبلة سيؤدي تلقائيًا إلى إلغاء التشريعات التي يدفع بها الائتلاف الحالي، مؤكدًا أن التجربة السياسية والدستورية في إسرائيل تظهر أن إعادة الوضع القانوني إلى ما كان عليه مهمة معقدة، وأن الحكومات الجديدة قد تجد مصلحة في استخدام الصلاحيات التي عارضتها عندما كانت في صفوف المعارضة.
وتأتي تصريحات بروفيسور وتد مع اقتراب انتهاء الدورة الحالية للكنيست ودخول الجهاز السياسي عمليًا في مرحلة الانتخابات، التي حُدد موعدها في 27 تشرين الأول 2026. وفي الوقت نفسه، يسعى الائتلاف إلى استكمال تشريعات ذات أبعاد دستورية وسياسية، من بينها مشروع تغيير مكانة المستشارة القضائية للحكومة وصلاحياتها.
وقال بروفيسور وتد في حديث لـ«بكرا» إن النقاش القانوني لا يبدأ فقط من لحظة الإعلان الرسمي عن حل الكنيست أو بدء الفترة الانتقالية، لأن الحياة السياسية دخلت منذ أشهر في أجواء انتخابية واضحة.
وأضاف أن هذا الواقع يفسر محاولة الائتلاف تسريع عدد من مشاريع القوانين قبل انتهاء عمل الكنيست، سواء من خلال إقرارها بالقراءة الأولى أو استكمال القراءتين الثانية والثالثة.
وقال: «على المستوى التقني تبدأ الفترة الانتقالية بعد الإعلان عن حل الكنيست، لكن على أرض الواقع بدأت قبل ثلاثة أو أربعة أشهر. لذلك نرى محاولة تمرير قوانين بسرعة وخلق أوضاع قانونية سيكون من الصعب تغييرها لاحقًا».
والفترة الانتقالية هي المرحلة الواقعة بين انتهاء الولاية الفعلية للحكومة والكنيست وبين تشكيل حكومة جديدة. وتبقى الحكومة خلالها في منصبها، لكن يُفترض أن تتصرف بضبط أكبر وألا تتخذ قرارات بعيدة المدى تقيد الحكومة المقبلة، إلا أن هذه القيود تستند في جزء كبير منها إلى قرارات قضائية وقواعد إدارية وليست حظرًا كاملًا على التشريع.
تشريعات قبل الانتخابات
بحسب بروفيسور وتد، يحاول الائتلاف في الأسابيع الأخيرة «تنظيف الطاولة»، أي استكمال مشاريع قوانين يعتبرها مهمة قبل الانتخابات، وعلى رأسها التشريعات المرتبطة بمنصب المستشارة القضائية للحكومة.
وكان الكنيست قد صادق بالقراءة الأولى على مشروع يقضي بتقسيم صلاحيات المستشارة القضائية بين أكثر من منصب، على أن يستمر بحثه تمهيدًا للتصويت عليه بالقراءتين الثانية والثالثة.
لكن بروفيسور وتد يرى أن وصف الخطوة بأنها «تقسيم» للمنصب لا يعكس الهدف الفعلي منها، لأن المشروع، بحسب تحليله، يبقي اسم المنصب لكنه يسلبه الصلاحيات التي تمنحه مكانته المستقلة.
وقال: «ليس الحديث عن فصل تقني للوظائف، بل عن تفريغ المنصب من مضمونه. يمكن أن يبقى المستشار القضائي موجودًا من حيث الاسم، لكن من دون قدرة فعلية على إلزام الحكومة أو مراقبة قراراتها».
وأضاف أن تحويل المواقف القانونية للمستشارة القضائية من قرارات ملزمة إلى توصيات يمكن تجاهلها يعني عمليًا إضعاف المنصب إلى حد كبير.
وأوضح: «عندما تستطيع الحكومة أن تقول للمستشار إن موقفه غير ملزم، وأن تستبدله أو تستعين بمحام خاص لتمثيلها أمام المحكمة، يصبح وجوده أقرب إلى منصب شكلي. لذلك يمكن وصف المشروع بأنه إعدام لمنصب المستشار القضائي للحكومة».
ما معنى «حارس البوابة»؟
وأشار بروفيسور وتد إلى أن المستشارة القضائية للحكومة تُعرّف باعتبارها واحدة من «حراس البوابة» في الجهاز العام.
ويقصد بهذا المصطلح مسؤولون مهنيون يتمثل دورهم في مراقبة عمل الحكومة ومنعها من تجاوز القانون أو قواعد الإدارة السليمة. ولا يملكون سلطة سياسية منتخبة، لكنهم يشكلون آلية رقابة داخل مؤسسات الدولة.
وقال بروفيسور وتد إن أهمية هذا الدور تزداد في إسرائيل بسبب غياب دستور مكتوب ومحصن، وعدم وجود فصل واضح بين الحكومة والكنيست.
وأضاف: «الحكومة تملك قوة واسعة جدًا، والمستشار القضائي هو أحد الأشخاص القلائل الذين يستطيعون القول لها إن قرارًا معينًا مسموح وإن قرارًا آخر يتجاوز القانون».
«لا يمكن أخذ نموذج من دولة أخرى وعزله عن سياقه»
ورفض بروفيسور وتد ادعاء مؤيدي التشريع بأن منصب المستشار القضائي مقسم في دول ديمقراطية أخرى، وقال إن المقارنة القانونية لا يمكن أن تقتصر على اقتباس جزء واحد من نظام دستوري مختلف.
وأوضح أن دولًا أخرى تملك دستورًا مكتوبًا يصعب تغييره، أو مجلسين تشريعيين يراقب أحدهما الآخر، أو محكمة دستورية ذات مكانة مستقلة، بينما لا تتوافر هذه الضمانات مجتمعة في إسرائيل.
وقال: «يأخذون من الدول الأخرى ما يناسبهم ويتجاهلون بقية النظام. لا يمكن أن تأخذ صلاحية موجودة في بريطانيا أو الولايات المتحدة من دون أن تأخذ معها الثقافة السياسية وآليات الرقابة والدستور وبقية المؤسسات».
وأضاف أن إسرائيل تعتمد على قوانين الأساس بدل دستور كامل، لكن كثيرًا من هذه القوانين يمكن تعديلها بأغلبية سياسية عادية ولا تتمتع بتحصين دستوري قوي.
وقوانين الأساس هي القوانين التي تنظم صلاحيات مؤسسات الحكم وبعض الحقوق الأساسية. وكان يفترض أن تشكل هذه القوانين، مع مرور الوقت، فصولًا لدستور مستقبلي، لكنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى ساحة صراع سياسي، إذ تسعى ائتلافات مختلفة إلى تعديلها وفق احتياجاتها الآنية.
الحكومة والكنيست في معسكر واحد
يرى بروفيسور وتد أن أحد أوجه الضعف في النظام الإسرائيلي يتمثل في عدم وجود فصل حقيقي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، لأن الحكومة تعتمد على أغلبية ائتلافية داخل الكنيست، وهذه الأغلبية تسيطر بدورها على اللجان البرلمانية وعلى جدول أعمال الهيئة العامة.
وقال: «في نهاية المطاف، ما تريده الحكومة يقرره الكنيست. رئيس الكنيست ورؤساء اللجان يُعيّنون بناء على اتفاقيات ائتلافية، ولذلك لا يعمل البرلمان دائمًا كجهاز مستقل يراقب الحكومة».
وأشار إلى أن رئيس الكنيست يفترض أن يمثل السلطة التشريعية ويحافظ على استقلالها، لكنه قد يتصرف في أحيان كثيرة باعتباره ممثلًا للائتلاف والحكومة.
وأضاف أن هذا الواقع يجعل إضعاف المستشارة القضائية والمحكمة أكثر خطورة، لأن الكنيست لا يؤدي دائمًا دورًا مستقلًا في موازنة قوة الحكومة.
إلغاء القوانين ليس أمرًا مضمونًا
وتوقف بروفيسور وتد عند التعهدات التي تطلقها أحزاب المعارضة بشأن إلغاء تشريعات الحكومة الحالية بعد الانتخابات، وقال إن هذه الوعود لا تتحول بالضرورة إلى خطوات عملية.
وأضاف: «نسمع كثيرًا أن الحكومة المقبلة ستلغي قانونًا معينًا، لكن عندما تتغير الحكومة تدخل اعتبارات سياسية وائتلافية ويصبح جدول الأعمال مزدحمًا، وقد لا تملك الحكومة الوقت أو الأغلبية اللازمة لإلغاء القانون».
واستشهد بقانون أساس: القومية، الذي تعهدت أحزاب في حكومة نفتالي بينيت ويائير لبيد بتعديله وإضافة مبدأ المساواة إليه، لكن ذلك لم يحدث خلال فترة ولايتها.
وقال بروفيسور وتد إن هذه التجربة تثبت أن سن القانون أسهل أحيانًا من إلغائه، لأن إبطال التشريع يحتاج إلى أغلبية سياسية، واتفاق داخل الائتلاف، وتخصيص وقت برلماني، وقد يثير أزمات مع شركاء الحكومة.
وتابع: «صعب جدًا إعادة العجلة إلى الوراء. لا أذكر حكومة جاءت وألغت بصورة شاملة القوانين التي سنتها حكومة سابقة فقط لأنها عارضتها عندما كانت في المعارضة».
من يعارض الصلاحيات قد يستخدمها لاحقًا
وحذر بروفيسور وتد من احتمال أن تختار حكومة جديدة استخدام الصلاحيات التي منحها التشريع بدل إلغائها.
وأشار في هذا السياق إلى التغييرات المقترحة في آلية تعيين القضاة، موضحًا أن المعارضة قد تعلن اليوم أنها ستلغيها، لكنها قد تغير موقفها عندما تصبح قادرة على تعيين قضاة ينسجمون مع رؤيتها.
وقال: «قد تقول الحكومة الجديدة إن التعديل سيئ، لكنها في الوقت نفسه ترى أنها تمثل الخير وأن الحكومة السابقة مثلت الشر، فتقرر استخدام الصلاحيات الجديدة لتعيين من تعتبرهم قضاة مناسبين».
وأضاف أن هذه المسألة لا يمكن فهمها من خلال القانون الدستوري وحده، لأنها ترتبط أيضًا بالعلوم السياسية وبطريقة تصرف الأحزاب عندما تنتقل من المعارضة إلى الحكم.
خلاف على قيم النظام
بحسب بروفيسور وتد، لا يدور الخلاف الحالي حول صلاحيات المستشارة القضائية أو المحكمة فقط، بل حول قيم الأساس التي يجب أن تحكم النظام السياسي.
وأشار إلى أن حزب الليكود كان في الماضي شريكًا في دعم تشريعات عززت حماية الحقوق والحريات، ومنها قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته، كما كان له دور في إخراج حركة كاخ من الكنيست.
وقال: «قيم الأساس التي لم تكن موضع خلاف كبير في الماضي أصبحت اليوم في قلب الصراع. الفجوة بين المعسكرات اتسعت إلى درجة تجعل التوصل إلى تفاهم مشترك أمرًا صعبًا».
وخلص بروفيسور وتد إلى أن نتائج الانتخابات المقبلة لن تحسم وحدها مصير التشريعات، لأن السؤال الأساسي سيكون ما إذا كانت الحكومة الجديدة تملك الإرادة السياسية والأغلبية البرلمانية لإلغائها، وما إذا كانت مستعدة للتنازل عن الصلاحيات التي باتت متاحة لها.
وقال: «القانون لا يعمل في فراغ. يمكن لحكومة جديدة أن تعارض التشريع من حيث المبدأ، لكنها عندما تصل إلى الحكم قد تكتشف أنه يخدمها. لذلك يجب ألا نفترض أن كل ما يُسن اليوم سيُلغى غدًا».
المصدر:
بكرا