آخر الأخبار

غدًا على طاولة الحكومة: المجتمع العربي يمول فشل الدولة بـ1.4 مليار شيكل- اليكم المخطط

شارك
Photo by Yonatan Sindel/Flash90

من المقرر أن تناقش الحكومة غدًا مخططًا لتحويل نحو 1.4 مليار شيكل من ميزانيات الخطة الحكومية 550، المخصصة لتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع العربي، إلى خطة جديدة لمكافحة الجريمة والعنف، تعتمد بصورة أساسية على تعزيز ميزانيات الشرطة وجهاز الأمن العام «الشاباك» وتوسيع قدراتهما التكنولوجية والاستخباراتية.

ويثير المخطط انتقادات واسعة، ليس بسبب الحاجة إلى مكافحة الجريمة، التي باتت تهدد حياة المواطنين العرب بصورة يومية، بل بسبب اقتراح تمويل مسؤولية أمنية أساسية للدولة من أموال خُصصت أصلًا للتعليم والإسكان والصحة والتشغيل والمواصلات والبنى التحتية في البلدات العربية.

وبحسب الوثيقة التي أعدتها وزارة المساواة الاجتماعية بالتعاون مع الشرطة والشاباك، يستند المخطط إلى تحويل أرصدة ميزانية عام 2026 من الخطة 550، بذريعة انخفاض نسب تنفيذها. وتقترح الوثيقة اقتطاع أموال من عشرات البرامج الحكومية، وتحويلها إلى المرحلة الثانية من خطة مكافحة الجريمة.

وكانت الحكومة قد أقرت الخطة 550 عام 2021 بوصفها خطة خمسية للتطوير الاقتصادي والاجتماعي، هدفها تقليص الفجوات بين المجتمع العربي وبقية السكان حتى نهاية عام 2026. وتشمل الخطة مجالات التعليم والتشغيل والتخطيط والإسكان والصحة والرفاه والنقل والثقافة والبنى التحتية.

اقتطاع من التعليم والإسكان والتشغيل

تكشف قائمة مصادر التمويل المرفقة بالمخطط أن الاقتطاع المقترح لا يقتصر على أموال غير مخصصة أو على فوائض إدارية، بل يشمل برامج تمس الحياة اليومية في المجتمع العربي.

ومن بين البنود المطروحة للتحويل نحو 154 مليون شيكل من برامج التعليم العربي والتمويل التفاضلي للمدارس، و96.7 مليون شيكل من ميزانيات بناء الصفوف الدراسية، و90.7 مليون شيكل من برامج التدريب والتشغيل، و74 مليون شيكل من خطة تطوير شبكة المواصلات العامة.

ويشمل المخطط أيضًا اقتطاع 116.5 مليون شيكل من ميزانيات تطوير البنى التحتية في الأحياء القديمة، و102 مليون شيكل من دعم أعمال التطوير في الأراضي الخاصة متعددة المالكين، إلى جانب ميزانيات مخصصة للصحة النفسية ومكافحة السكري والسمنة والتدخين، وبرامج الرفاه ومكافحة العنف داخل الأسرة.

كما تشمل القائمة أموالًا خُصصت لتطوير المناطق الصناعية، وتخطيط البناء، وشبكات الصرف الصحي، والمرافق الرياضية والثقافية، ودمج الأكاديميين العرب في مجالات التكنولوجيا والعلوم.

وبذلك، لا يقترح المخطط إضافة ميزانية جديدة لمكافحة الجريمة، بل إعادة توجيه جزء من ميزانية المجتمع العربي من المسارات المدنية والتنموية إلى أجهزة الشرطة والأمن.

تعزيز الشرطة وإدخال الشاباك

يتضمن المخطط إقامة وحدة قطرية داخل «لاهف 433» تحمل اسم «درع القانون 550»، وتعمل ضد العصابات المسلحة التي تنفذ جرائم إطلاق النار والابتزاز والسيطرة على المناقصات والسلطات المحلية.

كما يقترح إنشاء خمسة مراكز شرطة جديدة، توصف بأنها «متعددة الأبعاد»، لتقديم خدمات لنحو 40 بلدة عربية في المرحلة الأولى، على أن يرتفع عدد المراكز لاحقًا إلى 24.

ويعني مصطلح «الشرطة متعددة الأبعاد» الانتقال من نموذج يعتمد أساسًا على الاستجابة للبلاغات إلى نموذج يقوم على الوجود المكثف في البلدات، وجمع المعلومات، والعمل الاستخباراتي، واستخدام التكنولوجيا، وتكثيف إنفاذ مخالفات السير وما تصفه الشرطة بمخالفات جودة الحياة.

ويتضمن المخطط أيضًا إنشاء وحدات لملاحقة الجرائم المرتبطة بالعملات الرقمية وتتبع الأموال، وتطوير منظومات لمراقبة المناقصات العامة ومنع الشركات المرتبطة بتنظيمات الجريمة من الحصول على أموال حكومية.

أما الشاباك، فمن المقرر أن يحصل على موارد لتشكيل وحدات استخبارات وإحباط، ووحدة أبحاث، وبنى تكنولوجية، وتجنيد موظفين في مجالات الاستخبارات والعمليات. وتبرر الوثيقة ذلك بالحاجة إلى مكافحة تهريب الأسلحة، لكنها لا تحدد بوضوح الحدود بين معالجة التهريب وبين توسيع النشاط الأمني داخل المجتمع العربي.

انخفاض التنفيذ كذريعة للاقتطاع

تعتمد وزارة المساواة الاجتماعية في تبرير تحويل الأموال على بيانات تفيد بأن الوزارات خصصت فعليًا نحو 53 في المئة فقط من ميزانية الخطة 550، فيما بلغت الالتزامات نحو 41 في المئة، ولم تتجاوز المدفوعات الفعلية 20 في المئة من الميزانية الأصلية.

لكن الوثيقة نفسها تشير إلى أن عددًا من الوزارات لم يحصل على ميزانيات عام 2025 إلا خلال شهر كانون الأول، ما يعني أن انخفاض الصرف لا يدل بالضرورة على غياب الحاجة إلى الأموال، بل يعكس أيضًا التأخر الحكومي والبيروقراطية وصعوبة تنفيذ مشاريع التخطيط والإسكان والبنى التحتية خلال فترات قصيرة.

وبدل معالجة أسباب التأخير وإزالة العوائق أمام التنفيذ، يقترح المخطط سحب الأموال من البرامج التي لم تُنفذ وتحويلها إلى أجهزة الإنفاذ.

وقد شهد الكنيست خلال الأشهر الأخيرة مناقشات بشأن الاقتطاع المقترح، حذر خلالها أعضاء كنيست وممثلون عن مؤسسات المجتمع المدني من أن تحويل نحو 1.5 مليار شيكل من الخطة الخمسية إلى أجهزة الإنفاذ سيضر بالشبان العرب وببرامج تقليص الفجوات.

خطر إضعاف الوقاية باسم مكافحة الجريمة

يتضمن المخطط مسارًا لتأهيل الشبان العرب الذين تراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا، ولا يعملون ولا يتعلمون، من خلال التدريب والتطوع والتأهيل المهني.

وتشير الوثيقة إلى ارتفاع نسبة هؤلاء الشبان من 22 في المئة عام 2023 إلى نحو 34 في المئة عام 2025، محذرة من أن تنظيمات الجريمة تستغل غياب فرص العمل والتعليم لتجنيدهم.

لكن المخطط يقترح في الوقت نفسه اقتطاع أموال من برامج التشغيل والتعليم والمواصلات وتطوير المناطق الصناعية. أي إنه يقلص الأدوات المدنية التي تمنع الشبان من الانضمام إلى عالم الجريمة، ثم يزيد الموارد المخصصة للتعامل معهم بعد دخولهم إليه.

وتكمن خطورة هذا التوجه في الفصل بين الجريمة وبين مسبباتها الاقتصادية والاجتماعية. فتعزيز الشرطة قد يساهم في ملاحقة منفذي الجرائم، لكنه لا يعالج وحده البطالة والتسرب من التعليم وأزمة السكن والاعتماد على السوق السوداء وضعف الخدمات العامة.

المجتمع العربي يمول تقصير الدولة

من حيث المبدأ، لا خلاف على ضرورة تخصيص موارد إضافية لمكافحة الجريمة المنظمة، وتعزيز التحقيقات الاقتصادية، وحماية الشهود، ومصادرة الأسلحة والأموال التي تسيطر عليها العصابات.

لكن هذه المهمات تقع ضمن المسؤوليات الأساسية للشرطة والدولة، ويُفترض تمويلها من الميزانية العامة لوزارة الأمن القومي والشرطة والشاباك، لا من الأموال التي أقرتها الحكومة لمعالجة الفجوات المتراكمة في البلدات العربية.

وعمليًا، يضع المخطط المجتمع العربي أمام خيار بين حقين أساسيين: الأمن الشخصي من جهة، والتعليم والإسكان والصحة والتشغيل من جهة أخرى.

كما يؤدي إلى معاقبة المجتمع العربي مرتين: أولًا عندما تتأخر الوزارات في تنفيذ المشاريع وتحويل الأموال، وثانيًا عندما تستعيد الحكومة تلك الأموال بحجة عدم استخدامها.

وستتركز الأنظار خلال جلسة الحكومة على حجم الاقتطاع النهائي، والبنود التي ستُمس، والضمانات التي ستُمنح لاستمرار المشاريع القائمة، إضافة إلى حدود دور الشاباك وآليات الرقابة على استخدام المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا داخل البلدات العربية.

السؤال المركزي المطروح ليس ما إذا كانت مكافحة الجريمة ضرورية، بل ما إذا كان من المقبول أن تمول الحكومة هذه المكافحة من ميزانية المجتمع الذي أخفقت سنوات في توفير الأمن له.

بكرا المصدر: بكرا
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا