آخر الأخبار

غزة نحو حلّ قابل للحياة

شارك

غزة نحو حلّ قابل للحياة

بقلم: محمد دراوشه

في المرحلة الراهنة، تبدو غزة في قلب معادلة سياسية معقّدة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية الخارجية مع الاحتياجات الإنسانية لسكانها، وتتقاطع فيها المبادرات الدولية مع واقع ميداني شديد الحساسية. ورغم تعدّد الأطراف المنخرطة في صياغة مستقبل القطاع، فإنّ الطريق نحو حلّ قابل للحياة لا يزال يتطلّب مقاربة أكثر توازنًا، تُنصت إلى صوت الناس قبل أن تُعيد ترتيب الأوراق السياسية.

المواقف الدولية الحديثة تعكس إدراكًا متزايدًا بأنّ تحسين الظروف الإنسانية لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة ملحّة. منسّق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة شدّد مؤخرًا على أنّ الاستقرار في غزة مرتبط مباشرة بقدرة السكان على الوصول إلى الخدمات الأساسية، وهو موقف يتقاطع مع تصريحات أوروبية متكرّرة، أبرزها الموقف الفرنسي الذي دعا إلى بدء إعادة الإعمار دون ربطها بشروط سياسية قد تُبقي المدنيين رهائن للجمود. هذه الرسائل تعبّر عن تحوّل مهمّ في الخطاب الدولي، نحو الاعتراف بأنّ حياة الناس لا يمكن أن تبقى معلّقة بانتظار ترتيبات أمنية معقّدة.

في المقابل، يظلّ ملفّ السلاح أحد أكثر القضايا حساسية في النقاشات الجارية. القوى الدولية، وخاصةً الاسرائيلية تعتبره شرطًا أساسيًا لأيّ تقدّم سياسي، بينما ترى القوى الفلسطينية أنّه مرتبط مباشرة باستمرار الاحتلال وغياب الضمانات الدولية. المواقف الإقليمية الحديثة، خصوصًا من مصر وقطر وتركيا، تشير إلى استعداد لدعم ترتيبات تدريجية تراعي الواقع الميداني وتضمن عدم حدوث فراغ أمني. هذه المقاربة قد تكون الأكثر واقعية، لأنها تجمع بين مطلب الأمن وحقّ الفلسطينيين في حماية أنفسهم إلى حين قيام سلطة وطنية موحّدة وقادرة.

إعادة الإعمار بدورها لم تعد بندًا ثانويًا في أيّ خطة سياسية. البنك الدولي أشار في تقريره الأخير إلى الحاجة العاجلة لإعادة الخدمات الأساسية، من كهرباء ومياه وصحة وتعليم، وهي متطلبات لا يمكن تأجيلها. كما أكدت الولايات المتحدة في موقفها الأخير أنّ تدفق المساعدات يجب أن يستمر دون عوائق، وأنّ العمل مع الشركاء الإقليميين ضرورة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه. لكنّ هذه الجهود لن تكون فعّالة ما لم تُرفع القيود على دخول المواد، وما لم تُعالج مشكلة المعابر، وما لم تُمنح المؤسسات الفلسطينية القدرة على العمل الحر دون تدخلات خارجية.

وحدة الحكم الفلسطيني تمثّل شرطًا لا يمكن تجاوزه في أيّ رؤية مستقبلية. الدعوات الأخيرة الصادرة عن القيادة الفلسطينية لإطلاق عملية سياسية شاملة تُنهي الانقسام وتعيد بناء المؤسسات تتقاطع مع مواقف عربية ودولية مشابهة. وجود سلطة موحّدة لا يسهّل فقط إدارة القطاع، بل يعزّز قدرة الفلسطينيين على التفاوض ويمنح أيّ ترتيبات أمنية أو اقتصادية فرصة حقيقية للنجاح.

لكنّ كلّ هذه الخطوات تبقى بحاجة إلى ضمانات دولية واضحة. التجارب السابقة أثبتت أنّ غياب هذه الضمانات يجعل أيّ اتفاق عرضة للانهيار عند أول اختبار. الأمم المتحدة دعت مؤخرًا إلى آلية رقابة دولية مستقلة لضمان تنفيذ أيّ اتفاق، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح لأنها تُعيد الثقة إلى الأطراف وتحدّ من احتمالات الانزلاق.

من منظور دبلوماسي واقعي، يمكن القول إنّ الطريق نحو حلّ قابل للحياة في غزة يبدأ من الاعتراف بأنّ القطاع ليس أزمة أمنية فقط، بل قضية سياسية وإنسانية لشعب يسعى إلى حياة كريمة ومستقبل مستقرّ. المقاربة الأكثر توازنًا هي تلك التي تُوازن بين الأمن والعدالة، وبين الاستقرار والحقوق، وبين احتياجات الناس اليومية ومتطلبات العملية السياسية.

غزة تحتاج إلى خطوات واضحة:

* تحسين الظروف الإنسانية عبر رفع القيود وتسهيل دخول المساعدات.
* إعادة الإعمار كأولوية غير مشروطة.
* ترتيبات أمنية تدريجية تراعي الواقع وتضمن عدم حدوث فراغ.
* توحيد السلطة الفلسطينية عبر عملية سياسية شاملة.
* ضمانات دولية تضمن تنفيذ أيّ اتفاق.

الطريق ليس سهلًا، لكنه ليس مستحيلًا إذا توفّرت الإرادة، وتحرّكت الأطراف الدولية والإقليمية نحو رؤية تُنصت إلى صوت الناس والشعب قبل أن تُعيد ترتيب المشهد السياسي. وفي النهاية، يبقى جوهر الحلّ في غزة مرتبطًا بقدرة المجتمع الدولي على التعامل مع القطاع كقضية سياسية وإنسانية والعمل لاقامة دولة فلسطينية حرة، لا كملفّ أمني يُدار من الخارج، او بمصالح اسرائيلية فقط.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا