آخر الأخبار

قرأ... أول رسالة من السماء إلى الإنسان

شارك

قرأ... أول رسالة من السماء إلى الإنسان
حين بعث الله سبحانه وتعالى نبيه محمدا ﷺ، لم تكن أول كلمة نزلت عليه: صلِّ، أو صم، أو جاهد، بل كانت كلمة واحدة اختصرت طريق نهضة البشرية كلها: ﴿اقْرَأْ﴾. إنها رسالة خالدة تؤكد أن بناء الإنسان يبدأ بالعلم، وأن الأمم لا ترتقي إلا بالمعرفة، وأن القراءة هي المفتاح الأول للحضارة والتقدم.
لقد أراد الله تعالى أن يغرس في نفوس عباده قيمة العلم والكتابة والبحث والتفكر، لأن الإنسان بالعلم تتسع مداركه، وتستنير بصيرته، ويصبح قادرا على التمييز بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وبين الخير والشر، وبين الخطأ والصواب. فالعلم هو النور الذي يبدد ظلمات الجهل والأمية، وهو السلاح الحقيقي الذي يحصن الفرد والمجتمع من الانحراف والتخلف.
ولذلك رفع الله مكانة العلماء، فقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وجعل رسول الله ﷺ طلب العلم عبادة وفضيلة عظيمة، وحث المسلمين على السعي إليه، لأن الأمم التي تستثمر في العلم والمعرفة هي الأمم التي تصنع مستقبلها وتحفظ كرامتها.
لكن المؤلم أن واقع القراءة في عالمنا العربي لا ينسجم مع هذه الرسالة الربانية. فكثيرون يقضون ساعات طويلة أمام شاشات الهواتف، يتنقلون بين مواقع التواصل الاجتماعي والمقاطع القصيرة، بينما يندر أن يمسك أحدهم كتابا أو يقرأ صفحات تثري فكره وتنمي ثقافته. وليس العيب في التكنولوجيا ذاتها، فهي نعمة إذا أحسن استخدامها، ولكن المشكلة حين تصبح وسيلة لقتل الوقت بدل أن تكون وسيلة لاكتساب المعرفة.
والأشد إيلاما أن بعض أصحاب الشهادات الجامعية يكتفون بما تعلموه في سنوات الدراسة، فتتوقف علاقتهم بالكتاب بعد التخرج، فتضعف ثقافتهم العامة، لأن الشهادة لا تصنع مثقفا، وإنما تصنعه القراءة المستمرة، وحب الاطلاع، والرغبة الدائمة في التعلم.
إن مسؤولية غرس حب القراءة تبدأ من البيت. فلا يكفي أن يطلب الأب أو الأم من أبنائهم القراءة، بل يجب أن يكونا قدوة عملية لهم. فالطفل الذي يرى والديه يمسكان الكتاب ويقرآن كل يوم، سيكبر وهو يدرك أن القراءة أسلوب حياة، أما إذا لم ير في بيته كتابا، فمن الصعب أن يصبح قارئا في المستقبل.
إن تشجيع الأبناء على المطالعة لا يكون بالكلام وحده، بل بتخصيص مكتبة منزلية، وإهدائهم الكتب المناسبة لأعمارهم، والحديث معهم عما يقرؤونه، والاحتفال بإنجازاتهم القرائية، وجعل الكتاب رفيقا للأسرة كما هو الهاتف والتلفاز.
إن أمتنا اليوم بحاجة إلى ثورة في القراءة، لأن الأمم تُقاس بعقول أبنائها لا بعدد سكانها، وبما تنتجه من علم ومعرفة لا بما تستهلكه من وسائل الترفيه. وإذا أردنا مستقبلا أفضل لأبنائنا ولمجتمعنا، فعلينا أن نعيد للكتاب مكانته، وأن نجعل القراءة عادة يومية لا موسمية.
فلنتذكر دائما أن أول كلمة خاطب الله بها البشرية في القرآن الكريم كانت: ﴿اقْرَأْ﴾. ولو وعينا عظمة هذه الكلمة، لأصبح الكتاب أعزَّ صديق، ولأدركنا أن كل صفحة نقرؤها هي خطوة نحو إنسانٍ أرقى، ومجتمع أقوى، ومستقبل أكثر إشراقا. ولا تنسوا ما قاله المتنبي:وخير جليس في الزمان كتاب .
الدكتور صالح نجيدات

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا