آخر الأخبار

أزمة المفاوضات الثلاثية: بدل الشراكة نشهد محاصصة مهينة

شارك

تتعمّق أزمة المفاوضات الثلاثية لتشكيل القائمة المشتركة، وتزداد معها الفجوة بين القيادات والشارع العربي. فبدلًا من بناء مشروع سياسي جامع يعيد الثقة إلى جمهور فقد الأمل، تتحول المفاوضات إلى لعبة مواقع تُدار بمنطق المحاصصة والهيمنة، لا بمنطق المسؤولية الوطنية.

أحد أبرز مظاهر هذا النهج هو الدفع بالمقعد الثاني للعربية للتغيير إلى المكان التاسع. هذا التراجع في ترتيب المقاعد لا يعكس فقط خللًا في ميزان الشراكة، بل يعكس أيضًا استعلاءً وغياب رؤية حقيقية لتجديد الدماء السياسية. فعندما تُدفَع المقاعد إلى الخلف، تُدفَع معها الثقة الشعبية إلى الخلف أيضًا، وهذا سيشكل محفزاً سلبياً للمصوتين.

لكن الأزمة تتجاوز ترتيب المقاعد. فهناك هيمنة واضحة لقوى معينة على هندسة القوائم، تُمارس وكأنها حق مكتسب، لا كجزء من تفاهمات شراكة. هذه الهيمنة تُترجم إلى قرارات تُشعر الشارع بأن رغباته ليست ذات قيمة، بل تُعامَل بنوع من الاحتقار أو الإهانة. فحين تُفرض الأسماء من فوق، ويُمنع التجديد من تحت، يصبح الجمهور مجرد متلقٍّ لا شريك.

ويزداد الأمر سوءًا مع استثناء الحركات السياسية الجديدة التي كان يمكن أن تضخ روحًا جديدة في العمل السياسي، وعلى رأسها حركة مكان للجميع. هذا الاستثناء ليس مجرد قرار تقني؛ إنه رسالة سياسية مفادها أن الباب مغلق أمام أي قوة جديدة قد تُربك الحسابات التقليدية أو تُعيد تعريف العلاقة مع الجمهور.

إلى جانب ذلك، فإن عدم إتاحة مساحة لوجوه مستقلة وغير محزّبة يضعف الثقة أكثر فأكثر. فالشارع العربي يبحث عن قيادات جديدة، نظيفة، غير مثقلة بتاريخ حزبي أو صراعات داخلية. ومع ذلك، تستمر القوائم في إعادة تدوير نفس الطريقة، وكأن التغيير خطر يجب تجنّبه.

وحتى الآن، فإن قوائم المرشحين تفتقر إلى البريق. هي قوائم “هزيلة بعض الشيء”، لا تحمل الجرأة ولا التجديد ولا القدرة على إلهام جمهور يبحث عن أمل. فكيف يمكن لقائمة بلا بريق أن تستقطب مصوّتين يبحثون عن مشروع سياسي حقيقي؟ وكيف يمكن لمفاوضات تُدار بمنطق الهيمنة أن تنتج قيادة قادرة على مواجهة التحديات؟

إن التركيز على ترتيب المقاعد، واستثناء الحركات الجديدة، وإغلاق الباب أمام المستقلين، وهيمنة قوى معينة على هندسة القوائم، كلها عوامل تُضعف الثقة الشعبية. المطلوب اليوم ليس إعادة توزيع النفوذ داخل الغرف المغلقة، بل إعادة بناء علاقة مع الناس خارجها. المطلوب ليس هندسة مواقع، بل هندسة ثقة. والثقة لا تُبنى إلا عبر فتح الباب أمام وجوه جديدة، واحترام إرادة الشارع، وتقديم مشروع سياسي يملك بريقًا يليق بتطلعات الناس.

إذا استمرت هذه العقلية، فستبقى كل محاولة لتشكيل قائمة مشتركة مجرد هندسة رقمية بلا روح، ومجرد محاصصة لا تصنع مستقبلًا ولا تستعيد جمهورًا، يريد الدعم، ولكن يريد الوفاء من قبل بعض ممن هيمن على مساحتنا السياسية.

المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا