آخر الأخبار

من مشروع الهيمنة إلى واقع التسوية: كيف تحولت الحرب على إيران إلى انتكاسة استراتيجية؟/ بقلم: خالد خليفة

شارك

شكّلت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى واحدة من أخطر الأزمات التي شهدها الشرق الأوسط في العقد الأخير. فالحرب التي بدأتها أمريكا واسرائيل وسط توقعات بانتصار سريع وحاسم تحولت تدريجياً إلى نكسة استراتيجية كشفت حدود القوة العسكرية لدولة عظمى وأعادت رسم موازين القوى الإقليمية بصورة مختلفة عما خطط له أصحاب القرار في واشنطن وتل أبيب.

فمنذ عودت بنيامين نتانياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية في عام 2009، وضع الملف الإيراني في صدارة أولوياته السياسية والأمنية. فقد اعتبر أن إيران تشكل العقبة الرئيسية أمام المشروع الإسرائيلي الهادف إلى تكريس التفوق الإقليمي وإعادة تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط. وعلى مدى سنوات طويلة عمل نتنياهو على إقناع الإدارات الأمريكية المتعاقبة بضرورة اتخاذ خطوات أكثر صرامة تجاه طهران، معتبراً أن أي تسوية أو تفاهم معها سيمنحها فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي.
وقد استطاع الضغط على الرئيس أوباما بتوقيع اتفاقية الحد من تطوير اسلحة نووية معايران والذي وقع علم 2015 وقد تم بالفعل تحييد تخصيب اليورانيوم في هذا العام الامر الذي سمية آنذاك بنزع السلاح النووي من إيران.
ومع وصول دونالد ترامب إلى ولايته الأولى تم الغاء الاتفاق مع إيران الذي وقعه أوباما، ومع انتخابه للمرة الثانية استمر الضغط الاسرائيلي عليه للقضاء على النظام الإيراني بحجة التخصيب النووي وقد اعتقدت القيادة الإسرائيلية أن الفرصة أصبحت مواتية لتحقيق هذا الهدف. فقد سادت قناعة لدى بعض دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب بأن إيران تعاني ضغوطاً اقتصادية وسياسية كبيرة، وأن ضربة عسكرية واسعة قد تؤدي إلى انهيار النظام أو على الأقل إلى إضعافه بصورة جذرية.

وبناء على هذه الحسابات، اجتمع نتانياهو وديري بارنيع رئيس الموساد مع الرئيس دونالد ترامب شخصيا وأقنعوه ان لديهم معلومات دقيقة ومؤكدة لإنهاء النظام عبر خطة اغتيال دقيقة لخاتم الأنبياء الرئيس خامنئي وقد اقتنع ترامب بعد هذه المقابلة وأعطى أوامره لانطلقت الحملة العسكرية ضد إيران في نهاية فبراير 2026. وكان التصور الأساسي أن تؤدي الضربات المكثفة ضد المراكز العسكرية والسياسية والقيادات العليا إلى إحداث صدمة استراتيجية تفتح الباب أمام تغيير جذري في بنية النظام الإيراني.

لكن التطورات الميدانية وخلال 40 يوما من القتال المتواصل جاءت مخالفة للتوقعات. فبدلاً من الانهيار السريع لإيران، أظهرت مؤسسات الدولة الإيرانية قدرة كبيرة على استيعاب الضربة الأولى وإعادة تنظيم هياكلها السياسية والعسكرية. كما تمكنت طهران من الحفاظ على تماسك مؤسسات الحكم واستمرار عملها رغم حجم الخسائر التي تعرضت لها.

ومع مرور الأسابيع الأولى للحرب بدأت إيران بالرد على المصالح الأمريكية والقواعد العسكرية المنتشرة في الخليج واسرائيل. ووجدت الولايات المتحدة نفسها أمام مواجهة أوسع وأكثر تعقيداً مما كان متوقعاً. فالحرب التي كان يفترض أن تكون قصيرة ومحدودة وحاسمة تؤدي الى اسقاط النظام الإيراني تحولت إلى استنزاف سياسي وعسكري واقتصادي متواصل كان له التأثير الأكبر والمباشر على أمريكا مصالحها وهيبتها الاستراتيجية في العالم.

وفي الوقت ذاته، دفعت التطورات الإقليمية نحو ارتفاع حاد في التوترات الأمنية وأسعار الطاقة العالمية. وأصبحت المخاوف من توسع الصراع يهدد الاقتصاد الدولي بأكمله، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى المطالبة بوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار الدبلوماسي.

كما كشفت الحرب عن حدود القوة العسكرية الأمريكية في المنطقة. فعلى الرغم من الحشد البحري الكبير ونشر حاملات الطائرات والقوات الإضافية، لم تتمكن واشنطن من تحقيق أهدافها السياسية الأساسية. وأصبح واضحاً أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق نتائج استراتيجية عندما يتعلق الأمر بدولة كبيرة ومعقدة مثل إيران.

أما إسرائيل، التي كانت ترى في هذه الحرب فرصة لتكريس موقعها كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط، فقد واجهت بدورها تحديات متزايدة. فاستمرار العمليات العسكرية لفترة طويلة استنزف القدرات العسكرية والاقتصادية ومسائل تتعلق بالنفص الحاد في الذخائر والوقود للأنظمة الدفاعية والعسكرية خلال فترة الحرب الامر الذي أثار تساؤلات داخلية وخارجية حول جدوى الحرب وأهدافها الحقيقية.

وبمرور الوقت بدأت الخلافات تظهر بين واشنطن وتل أبيب بشأن كيفية إدارة الصراع وكيفية الخروج من هذه الأزمة. فالولايات المتحدة أصبحت أكثر اهتماماً بوقف الاستنزاف ومنع توسع المواجهة، بينما استمرت بعض الأوساط الإسرائيلية في التمسك بأهداف الحرب الأصلية رغم تراجع فرص تحقيقها.

وعلى الصعيد الداخلي الأمريكي، ازدادت الضغوط السياسية على الإدارة. فقد ارتفعت كلفة الحرب الاقتصادية والعسكرية لتصل الى أكثر من 200 مليار دولار، وبدأت أصوات متزايدة داخل الكونغرس والرأي العام تنتقد استمرار الانخراط في نزاع مفتوح لا يملك أفقاً واضحاً للنجاح. كما تراجعت الثقة بقدرة دونالد ترامب على تحقيق الأهداف التي أعلنها في بداية المواجهة.

وأمام هذه المعطيات، بدأت الجهود الدبلوماسية تأخذ زخماً متزايداً. وانطلقت اتصالات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران عبر وسطاء دوليين سعوا إلى إيجاد صيغة تسمح بوقف الحرب ومنع انفجار إقليمي أوسع.

وفي نهاية المطاف، تم التوصل إلى مذكرة تفاهمات سياسية أنهت المواجهة العسكرية وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية. وشملت هذه التفاهمات ترتيبات أمنية واقتصادية هدفت إلى تخفيف التوتر واحتواء أسباب الصراع.

وقد رأى كثير من المحللين أن النتيجة النهائية للحرب جاءت معاكسة لما كان متوقعاً عند اندلاعها. فبدلاً من إضعاف إيران وإخراجها من معادلة النفوذ الإقليمي، وجدت طهران نفسها لاعباً أساسياً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات مستقبلية تخص المنطقة.

وفي المقابل، تعرضت الاستراتيجية التي تبناها نتنياهو لانتقادات واسعة. فالهدف المعلن المتمثل في إعادة تشكيل الشرق الأوسط تحت قيادة إسرائيلية لم يتحقق، بينما وجدت إسرائيل نفسها أمام بيئة إقليمية أكثر تعقيداً وتحديات أمنية مستمرة على أكثر من جبهة.

كما كشفت الأزمة عن تحولات أوسع في النظام الدولي. فقد بدا أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر حذراً تجاه الانخراط في حروب طويلة ومكلفة، وأن أولوياتها الاستراتيجية تتجه تدريجياً نحو تقليص التزاماتها العسكرية المباشرة في الشرق الأوسط والتركيز على ملفات دولية أخرى.

وفي المحصلة، أكدت هذه الحرب أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لفرض حلول دائمة في منطقة شديدة التعقيد مثل الشرق الأوسط. كما أظهرت أن موازين القوى الإقليمية لا تُحسم فقط عبر التفوق العسكري، بل أيضاً عبر القدرة على الصمود السياسي والاقتصادي وإدارة التحالفات الدولية.

لقد انتهت الحرب، لكن آثارها السياسية والاستراتيجية ستبقى حاضرة لسنوات طويلة. فهي لم تغيّر فقط شكل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، بل أعادت فتح النقاش حول مستقبل النظام الإقليمي بأكمله وحدود القوة العسكرية في رسم خرائط النفوذ والسيطرة في الشرق الأوسط.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا