شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة وحروبًا وصراعات كادت أن تجرّ الشرق الأوسط إلى مواجهة إقليمية شاملة، إلا أن الأحداث الأخيرة وما تبعها من تفاهمات واتصالات سياسية بين الولايات المتحدة وإيران تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام حقبة جديدة من توازن المصالح بدلًا من سياسة الحروب المفتوحة؟
لقد أثبتت المواجهات الأخيرة أن القوة العسكرية، رغم ما تملكه من قدرات تدميرية هائلة، ليست دائمًا الوسيلة القادرة على فرض الإرادات السياسية بصورة مطلقة. فبعد الضربات المتبادلة والتصعيد الذي شهدته المنطقة، تبيّن أن جميع الأطراف اكتشفت حدود القوة وحدود القدرة على تحقيق الأهداف المعلنة بالكامل..
فمن جهة، لم تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من فرض واقع سياسي جديد يحقق جميع الأهداف التي طُرحت بشأن البرنامج النووي الإيراني أو القدرات الصاروخية الإيرانية. ومن جهة أخرى، لم تصل إيران إلى مرحلة فرض رؤيتها الكاملة على الإقليم، لكنها نجحت في إثبات قدرتها على الصمود وامتصاص الضغوط والمحافظة على جزء مهم من عناصر قوتها وتأثيرها السياسي..
هذه المعادلة الجديدة دفعت الأطراف المتصارعة إلى الاقتناع بأن كلفة الحرب الشاملة أصبحت أكبر من المكاسب المتوقعة منها، وأن التفاوض بات خيارًا أكثر واقعية من استمرار المواجهات العسكرية المفتوحة.
غزة بين الحرب والتسوية
أما في غزة، فما زال المشهد أكثر تعقيدًا من سواه. فالحرب الطويلة خلّفت دمارًا إنسانيًا هائلًا وأرهقت جميع الأطراف. ورغم أن فرص التهدئة تبدو أكبر مما كانت عليه في السابق، إلا أن الوصول إلى حل سياسي شامل ما زال يواجه عقبات كثيرة..
ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة ترتيبات أمنية وإنسانية جديدة، وصفقات تبادل، ومساعي لإعادة الإعمار، إلا أن الحل النهائي للقضية الفلسطينية سيبقى رهينة التوافقات الدولية والإقليمية التي لم تنضج بعد بصورة كاملة..
في الساحة اللبنانية، يبدو أن المجتمع الدولي يسعى إلى تثبيت حالة من الهدوء ومنع الانزلاق نحو حرب واسعة جديدة. ومن المرجح أن تشهد المرحلة القادمة ترتيبات أمنية وسياسية تهدف إلى خفض مستوى التوتر على الحدود، مع استمرار الجدل حول مستقبل السلاح ودور القوى الإقليمية في لبنان..
ولا يبدو أن أي انسحاب أو تغيير جذري سيحدث بصورة سريعة، بل إن الأمر سيحتاج إلى مراحل طويلة من التفاهمات والضمانات المتبادلة..
إلى أين تتجه المنطقة؟..
***
القراءة الواقعية للمشهد تشير إلى أن الشرق الأوسط قد يكون مقبلًا على مرحلة جديدة عنوانها "إدارة الصراع" بدلًا من "حسم الصراع". فالقوى الكبرى والإقليمية باتت تدرك أن الاستقرار النسبي يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية أكثر من الحروب المفتوحة..
ومن هنا يمكن القول إن المنطقة تدخل مرحلة توازنات جديدة تقوم على الردع المتبادل، والحوار غير المباشر، والبحث عن المصالح المشتركة، دون أن يعني ذلك انتهاء الخلافات أو اختفاء أسباب التوتر..
(خاتمة):_
ربما لا تكون الحروب قد انتهت، وربما لا يكون السلام الشامل قد وُلد بعد، لكن المؤكد أن المنطقة تقف عند مفترق طرق تاريخي، فبعد سنوات من النار والدمار، بدأت لغة المصالح تفرض نفسها على لغة المدافع، وبدأت الطاولات السياسية تستعيد دورها بعد أن استنفدت ساحات القتال كثيرًا من أوراقها..
ويبقى السؤال مفتوحًا:- هل تنجح الأطراف في تحويل التهدئة إلى سلام مستدام، أم أن المنطقة ستعود إلى دوامة الصراعات عند أول اختبار جديد؟.. الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة..
اللهم اني قد كتبت وقرأت واستنتجت وحللت بكل صدق وامانة المظهر الحالي كصورة واقعية .. وان كنت على خطأ فقوموني..
المصدر:
كل العرب