آخر الأخبار

خطر احتلال عقل الإنسان على الشعوب

شارك

لقد ميّز الله سبحانه وتعالى الإنسان بالعقل، وجعله أعظم نعمة وهبها له، وبه كرّمه على سائر المخلوقات. فالعقل هو أداة التفكير والتمييز والإبداع، وهو الذي يقود الإنسان إلى الحق والخير والتقدم إذا أحسن استخدامه. أما إذا عُطّل أو استُغل أو وُجّه في غير موضعه، فإنه قد يتحول إلى أداة هدم للإنسان نفسه ولمجتمعه ووطنه.

إن أخطر أنواع الاحتلال ليس احتلال الأرض، بل احتلال العقل. فاحتلال الأرض قد يزول بالمقاومة، أما احتلال العقول فقد يمتد لأجيال، ويجعل الإنسان يدافع عن أفكار ومواقف تخالف مصالحه وهو يظن أنه يحسن صنعا.

ولهذا كان استغلال الشعوب يبدأ غالبا بتجهيلها، وإضعاف وعيها، وتهميش العلماء والحكماء وأصحاب الفكر، والعمل على تجميد العقول ومنعها من التفكير الحر، ثم نشر التعصب المذهبي والطائفي والعرقي والقبلي، لتفتيت المجتمع وإشغاله بصراعات داخلية تستنزف طاقاته، فيصبح عاجزا عن مواجهة التحديات الحقيقية.

إن الشعوب التي تنشغل بخلافاتها الداخلية لا تستطيع أن تبني اقتصادا قويا، ولا صناعة متقدمة، ولا تعليما راقيا، ولا مشروعا حضاريا. ولهذا فإن نشر الفرقة والانقسام يعد من أخطر الأساليب التي تُستخدم لإضعاف الأمم.

ويرى كثير من الباحثين والمحللين أن القوى الكبرى عبر التاريخ استفادت من سياسة "فرّق تسد"، وهي سياسة تقوم على استثمار الانقسامات الداخلية أو تعميقها لتحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية أو استراتيجية. وفي المقابل، فإن تطور أي دولة يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة شعبها على بناء مؤسسات قوية، وتعليم جيد، ووحدة مجتمعية، وحسن إدارة مواردها.

إن الجهل وقلة الوعي يشكلان بيئة خصبة لانتشار العنصرية والتطرف والتعصب، بينما يحصّن العلم والثقافة والعقل النقدي المجتمعات من الوقوع فريسة للدعاية والتحريض. وعندما يفقد الإنسان القدرة على التفكير المستقل، يصبح من السهل توجيهه وإقناعه بما يخدم مصالح الآخرين أكثر مما يخدم مصلحته.

إن حماية العقل مسؤولية تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، فالجامعة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية والدينية. فالمجتمعات التي تشجع الحوار، وتحترم الرأي المختلف، وتنشر المعرفة، هي مجتمعات أكثر قدرة على حماية نفسها من التضليل ومن كل أشكال الاستغلال.

واخيرا وليس آخرا ، فإن نهضة الأمم لا تقوم على كثرة الموارد وحدها، وإنما تقوم أولا على الإنسان الواعي، القادر على التفكير والنقد والتمييز بين الحقيقة والزيف. فالعقل الحر هو أساس الحرية، والوعي هو السلاح الأقوى في مواجهة الجهل والتفرقة والاستغلال. وإذا أردنا مستقبلا أفضل لأوطاننا وأبنائنا، فعلينا أن نحافظ على عقولنا كما نحافظ على أرضنا، لأن احتلال العقول هو أخطر احتلال، وتحريرها هو بداية كل نهضة.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا