يكشف استطلاع جديد أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، في أيار 2026، عن معطى لافت قبل انتخابات الكنيست الـ26 المتوقعة في تشرين الأول/أكتوبر: 87% من الشباب العرب الذين يحق لهم التصويت للمرة الأولى ينوون المشاركة في الانتخابات. هذا الرقم لا يبدو تفصيلاً عاديًا، بل مؤشرًا سياسيًا مهمًا في ظل التراجع التاريخي في نسبة التصويت العربي خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغت نسبة المشاركة العربية 53.2% في انتخابات الكنيست الـ25، بعدما وصلت إلى مستوى متدنٍ جدًا بلغ 44.6% في انتخابات عام 2021.
الاستطلاع شمل 576 شابًا وشابة من سن 18 حتى 22 عامًا، بينهم 133 عربيًا، وجميعهم سيدلون بأصواتهم للمرة الأولى في الانتخابات المقبلة. وتظهر المعطيات أن أغلبية واضحة من الشباب، يهودًا وعربًا، تعتزم التصويت، لكن دلالة التصويت تختلف بين المجموعات. فبينما يتحدث الشباب اليهود عن الديمقراطية والمسؤولية المدنية وتغيير الحكم، يربط الشباب العرب التصويت بالحاجة إلى التمثيل، وإسماع الصوت الجماعي، ومحاولة تغيير الواقع داخل المجتمع العربي.
الشابات اكثر قناعة
المعطى الأبرز يظهر بين الشابات العربيات. فقد قالت 90% منهن إن قدرتهن على التصويت لأول مرة تحمل معنى كبيرًا بالنسبة لهن، مقابل 76% من الشبان العرب. هذا الفارق يعكس موقع النساء العربيات داخل مشهد سياسي واجتماعي مركب، حيث تعاني النساء من تمثيل محدود في الكنيست والسلطات المحلية، ومع ذلك ترى الشابات في التصويت مساحة لإثبات الحضور والتأثير والمطالبة بمكان داخل المجال العام.
ولا يقتصر الأمر على الرغبة في التصويت. فـ80% من الشابات العربيات يعتقدن أن تصويت الجمهور يمكن أن يؤثر على الواقع في الدولة، مقابل 70% من الشبان العرب. ورغم أن هذه النسب أقل من نسبة الشابات اليهوديات، التي بلغت 91%، فإنها تكشف عن استعداد واضح لدى الشابات العربيات للتعامل مع التصويت كأداة سياسية واجتماعية، لا كمجرد إجراء انتخابي.
لكن التفاؤل لا يخفي أزمة الثقة. فالشباب العرب يرون في الانتخابات فرصة لإسماع صوتهم، لكنهم في الوقت نفسه يشكون من ضعف التأثير وغياب التمثيل الحقيقي. بعض الإجابات المفتوحة التي وردت في الاستطلاع عكست هذا الشعور بوضوح، من خلال عبارات مثل “صوتنا لا يصل” و“لا يوجد تغيير”. أي أن الجيل العربي الجديد لا يرفض المشاركة، لكنه يدخلها وهو يحمل شكًا عميقًا بقدرة النظام السياسي على الاستماع إليه.
وعي سياسي
وتكشف المعطيات أيضًا عن فجوة في مصادر الوعي السياسي. فبينما يتحدث نحو 60% من عموم الشباب عن السياسة داخل العائلة، تنخفض النسبة لدى الشباب العرب إلى 45% فقط. كما قال 58% من المستطلعين العرب إن أصدقاءهم لا يهتمون كثيرًا بالسياسة أو لا يهتمون بها إطلاقًا. هذا يعني أن الشاب العربي الذي يقترب من صندوق الاقتراع لأول مرة لا يصل إليه دائمًا عبر نقاش عائلي أو جماعي منظم، بل غالبًا عبر تجربة شخصية، أو من خلال الشبكات الاجتماعية، أو من شعور مباشر بالحاجة إلى التمثيل.
وتلعب الشبكات الاجتماعية دورًا حاسمًا في تشكيل الموقف السياسي لهذا الجيل. فقد قال 66% من الشباب العرب إن الشبكات الاجتماعية هي مصدرهم الأساسي للمعلومات السياسية، مقارنة بـ45% من الشباب اليهود. هذا المعطى يضع المنصات الرقمية في قلب المعركة الانتخابية المقبلة، خصوصًا لدى الشباب العرب، الذين لا يتلقون السياسة فقط من الأحزاب أو الإعلام التقليدي، بل من الفضاء الرقمي اليومي الذي يصنع المزاج العام ويوجه النقاشات.
في سلم الأولويات، يضع الشباب العرب واليهود قضايا الأمن وغلاء المعيشة في مقدمة الملفات التي يجب على الحكومة معالجتها. لكن معطى آخر يبرز لدى النساء العربيات تحديدًا: 23% منهن اخترن العلاقات بين العرب واليهود كواحد من أهم القضايا، مقابل نسب تراوحت بين 0% و8% في باقي المجموعات. هذا يعكس أن العلاقات بين المجتمعين ليست بالنسبة لهن قضية نظرية، بل مسألة تمس الحياة اليومية، الشعور بالأمان، فرص الاندماج، والاستقرار الشخصي والعائلي.
ديموقراطية؟
الصورة تصبح أكثر حدة عند تقييم وضع الديمقراطية. فقد وصف 78% من الشباب العرب وضع الديمقراطية في إسرائيل بأنه “سيئ” أو “ليس جيدًا”، وهي نسبة مرتفعة تعكس فجوة عميقة بين الاعتراف بأهمية التصويت وبين الإحساس بأن الديمقراطية لا تعمل بشكل متساوٍ لصالح الجميع. هنا تظهر المفارقة المركزية في الاستطلاع: الشباب العرب يريدون التصويت، ويرون فيه وسيلة للتأثير، لكنهم لا يثقون كاملًا بأن النظام السياسي يمنحهم تمثيلًا فعليًا أو قدرة حقيقية على تغيير الواقع.
خلاصة الاستطلاع أن الجيل العربي الجديد لا يقف خارج السياسة. هو يدخلها، لكن ليس من باب الثقة الكاملة، بل من باب الحاجة إلى الحضور. يريد أن يصوت لأنه يشعر بأن الغياب يضاعف التهميش، ويريد أن يسمع صوته لأنه يعرف أن الصمت لن يغير شيئًا. لذلك، فإن نسبة 87% ليست مجرد رقم انتخابي، بل رسالة سياسية واضحة: هناك جيل عربي شاب يريد أن يكون جزءًا من المعادلة، حتى وهو يعرف أن الطريق إلى التأثير ما زال صعبًا.
المصدر:
بكرا