كلما عاد اسم مضيق هرمز إلى صدارة الأخبار، ينشغل العالم بأسعار النفط، وحركة السفن، واحتمالات المواجهة العسكرية. غير أن التركيز على هذه التفاصيل، على أهميتها، يحجب حقيقة أكبر من الحدث نفسه. فالقضية لم تعد مجرد ممر مائي استراتيجي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، بل أصبحت اختباراً متكرراً لقدرة النظام الدولي على حماية الاستقرار في عالم يزداد ترابطاً ويزداد هشاشة في الوقت ذاته.
الإعلان الإيراني عن إغلاق المضيق أو التلويح بذلك لا يثير المخاوف بشأن الملاحة البحرية فحسب، بل يطرح سؤالاً يتجاوز حدود الخليج والشرق الأوسط: كيف أصبح العالم بكل ما يملكه من قوة اقتصادية وعسكرية وتقنية عرضة للاهتزاز كلما اندلعت أزمة في نقطة جغرافية محدودة؟
على مدى عقود، قُدمت العولمة بوصفها مشروعاً لصناعة عالم أكثر استقراراً، يقوم على تشابك المصالح وتقليص احتمالات الصراع. لكن الوقائع جاءت مختلفة. فكل أزمة جديدة تؤكد أن الاعتماد المتبادل بين الدول لم يُلغِ التوترات، بل جعل آثارها أكثر اتساعاً وأسرع انتشاراً. فما يحدث في مضيق بحري ضيق يمكن أن ينعكس خلال ساعات على أسعار الطاقة، وأسواق المال، وخطط الحكومات، وحتى على حياة ملايين البشر في قارات بعيدة.
إن ما يكشفه مضيق هرمز اليوم هو أن العالم نجح في بناء شبكة مصالح عالمية معقدة، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء منظومة استقرار تحمي هذه المصالح. لقد أصبح الاقتصاد العالمي أشبه بجسد واحد؛ أي اضطراب في أحد شرايينه الحيوية سرعان ما يشعر به الجميع، مهما ابتعدوا عن مصدر الأزمة.
ولعل المفارقة اللافتة أن عصر الذكاء الاصطناعي والثورات الرقمية لم يُلغِ سلطة الجغرافيا. فما زالت المضائق البحرية والممرات الاستراتيجية تفرض حضورها على السياسة الدولية كما فعلت عبر التاريخ. وما زالت الخرائط، رغم كل التحولات التكنولوجية، قادرة على تغيير مسار الأحداث أكثر مما تفعل أحياناً المؤتمرات والبيانات الدبلوماسية.
وفي هذا المعنى، لا يمثل مضيق هرمز مجرد ممر للطاقة، بل رمزاً لعالم لم يتجاوز بعد منطق الصراع على النفوذ والمصالح. عالم يمتلك من المعرفة والتكنولوجيا ما يكفي لتغيير حياة البشر، لكنه لا يزال عاجزاً عن معالجة الأسباب العميقة للأزمات التي تتكرر بأسماء مختلفة وفي أماكن متشابهة.
فالحرب في أوكرانيا، والتوترات في بحر الصين الجنوبي، والأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط، ليست أحداثاً منفصلة كما تبدو للوهلة الأولى. إنها تعبير عن مرحلة دولية مضطربة تتراجع فيها القواعد التي حكمت العلاقات الدولية لعقود، فيما لم تتبلور بعد قواعد جديدة قادرة على إنتاج توازن أكثر استقراراً وعدالة.
وفي قلب هذه التحولات يبقى الشرق الأوسط حاضراً بوصفه إحدى أكثر مناطق العالم حساسية وتأثيراً. فكل أزمة تنفجر فيه سرعان ما تتجاوز حدوده الجغرافية لتتحول إلى قضية دولية. وربما لهذا السبب لا ينظر العالم إلى مضيق هرمز باعتباره ممراً بحرياً فحسب، بل باعتباره مؤشراً دائماً على مستوى التوتر في النظام الدولي بأسره.
من هنا، فإن أزمة هرمز ليست اختباراً لإيران وحدها، ولا للدول المطلة على الخليج فقط، بل اختبار لقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة منعها. فالفارق بين الدول الناجحة والدول المأزومة لا يكمن في كيفية التعامل مع الانفجار بعد وقوعه، بل في القدرة على منع أسبابه قبل أن تتحول إلى واقع.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كان المضيق سيُغلق أم سيبقى مفتوحاً. السؤال الأهم هو: لماذا ما زال العالم، بعد كل ما حققه من تقدم، عاجزاً عن بناء منظومة استقرار تجعل أمنه الاقتصادي والسياسي أقل عرضة للاهتزاز مع كل أزمة جديدة؟
حينها فقط ندرك أن أزمة هرمز ليست أزمة نفط أو تجارة أو ملاحة بحرية، بل أزمة عالم لم ينجح بعد في إيجاد التوازن بين القوة والاستقرار، وبين المصالح والعدالة، وبين إدارة الصراعات وصناعة السلام.
وهذه، في تقديري، هي الرسالة الأعمق التي يحملها مضيق هرمز كلما عاد اسمه إلى واجهة الأحداث.
المصدر:
كل العرب