آخر الأخبار

رئيس "أرض الصومال" ضيفٌ معزّزٌ في إسرائيل

شارك

رئيس "أرض الصومال" ضيفٌ معزّزٌ في إسرائيل
أمير مخول، مركز تقدم للسياسات - لندن
تقدير موقف:

استقبل الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ في مقره رئيسَ إقليم "أرض الصومال" عبد الرحمن محمد عبد الله، يوم 14 حزيران/يونيو، في زيارته الأولى إلى إسرائيل، وذلك بعد إعلان إقامة العلاقات الدبلوماسية التي تلت اعتراف إسرائيل باستقلال صوماليلاند (إقليم أرض الصومال). وأعقب الاستقبال جولة لقاءات رسمية كانت ذروتها الإعلان عن افتتاح سفارة أرض الصومال في القدس.
تناول الجانبان التعاون الأمني، والتعاون في مجالات الزراعة والتكنولوجيا والصحة والتعليم العالي. وشدد هرتسوغ على أن الزيارة تحمل بعداً استراتيجياً جيوسياسياً، إذ يواجه البلدان، وفقاً له، ‘تهديد التطرف الراديكالي”، ويسعيان معاً إلى تحقيق الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي والمنطقة بأكملها، ويدركان أهمية حماية حرية الملاحة. واعتبر أن العلاقة مع أرض الصومال تندرج ضمن مساعٍ لتوسيع نطاق العلاقات مع القارة الأفريقية، وهي علاقات تتعمق وستزداد قوة. أما رئيس صوماليلاند فشدّد على أنّ بلاده تستلهم من إسرائيل بوصفها "أمة بنت قوة استثنائية عبر الابتكار والعزيمة"، مشيراً إلى اعتراف إسرائيل الاستثنائي بسيادتها، خلافاً للموقف الدولي القائم منذ إعلان تأسيسها رسمياً عام 1991.
وتعد زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر في السادس من كانون الثاني/يناير الزيارة الرسمية العلنية الأولى بعد الاعتراف الإسرائيلي، وفيها أعلن أن رئيس صوماليلاند سيزور إسرائيل، فضلاً عن فتح السفارة في القدس، علماً أنّ السنوات الأخيرة شهدت علاقاتٍ أمنيةً واسعة النطاق بين الطرفين.
ووفقاً لموقع i24، بتاريخ 12/5/2025، جرى في إسرائيل تداول مساع لدفع حكومة "أرض الصومال" إلى استيعاب فلسطينيين من غزة، ضمن ما أُطلق عليه "الهجرة الطوعية" التي تحدث عنها وزير الأمن كاتس، وقبله الرئيس ترامب، ثم تراجع، وذلك مقابل اعترافٍ أمريكي بالإقليم.

- الموقع الجيوسياسي بوصفه جوهر الاهتمام:
تشكّل صوماليلاند هدفاً استراتيجياً جيوسياسياً لإسرائيل، التي تعتبر اعترافها الرسمي بها خطوةً استثنائية، لكونه يخرج عن الموقف الدولي المعهود منذ خمسةٍ وثلاثين عاماً، القائم على عدم الاعتراف بانفصال الإقليم وعلى اعتباره جزءاً من دولة الصومال. وقد استحوذت أرض الصومال على اهتمامٍ إسرائيلي متصاعد وحصري منذ عام 2023، مع انطلاق الهجمات الصاروخية الحوثية من اليمن على إسرائيل ضمن استراتيجية "وحدة الساحات"، فبات موقعها عظيم الأثر بالمفهوم الجيوسياسي.
تطل أرض الصومال على مضيق باب المندب الواصل بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، مقابل الساحل اليمني، وتبعد ما بين 300 و500 كيلومتر عن مناطق سيطرة الحوثيين، لتشكل موقعاً فائق الأهمية لقواعد الرقابة العسكرية والاستخباراتية وللأثر الاستراتيجي. كما تسعى إسرائيل إلى الإفادة من النفوذ الإماراتي في موانئ العاصمة بربرة، طلباً لموطئ قدم هناك.
ومن منظور جيوسياسي، تعَد أرض الصومال منطقة نفوذ وقواعد لعدة دول، بينما تقوم الرؤية الإسرائيلية على اعتبار موقعها أداة للسيطرة على البحر الأحمر وممرات التجارة والطاقة العالمية المتجهة إلى قناة السويس ومنها. ويتعزز الاهتمام الإسرائيلي بأن تشكل محطة لوجستية كبرى لممرات التجارة البرية–البحرية من الهند إلى أوروبا، عبر استغلال موقع موانئها، وحصراً ميناءي حيفا وأسدود، سعياً إلى تشكيل ممرٍّ مواز لقناة السويس يقتطع نحو 12% من وارداتها، ويختصر زمن الرحلات البحرية وكلفتها.
- من فرصة "ممر بديل" إلى تراجع أمام "البحار الأربعة":
راهنت حكومة نتنياهو على هذا المسار، ساعية إلى استغلال الحرب الأمريكية–الإيرانية على مضيق هرمز بوصفها فرصة استثمار جيوسياسية لصالح ممرات بديلة تمر عبر إسرائيل. غير أن احتمالات المشروع تراجعت في أعقاب انطلاق مشروع "البحار الأربعة"، الذي يمر من السعودية وقطر باتجاه العراق وسوريا، نحو تركيا وأوروبا، وبدور أمني جوهري لمصر، وهو مشروع أكثر نجاعة وفقاً لكل معايير التكلفة والأمان والوقت.
يزيد هذا الإخفاق، في مقابل "البحار الأربعة"، من أهمية أرض الصومال في النظرة الإسرائيلية. وتتعزز هذه النظرة في معاهد أبحاث الأمن القومي مع تحوّل مصر إلى تحد استراتيجي، وهو ما عبر أيضا عنه مؤخراً جوناتان بولارد بتقديره أن الحرب القادمة ستكون في مواجهة كل من تركيا ومصر. كما تحدثت صحيفة "يسرائيل هَيوم" (14/6) عن تصاعد القلق الإسرائيلي من الدور المصري؛ وقد ورد هذا القلق في تقرير عن الدور المصري الريادي من وراء الكواليس في إنجاز الاتفاق الأمريكي–الإيراني، والأهم أثراً في الحيلولة دون تورط دول الخليج في حرب فعلية مباشرة مع إيران، على النقيض تماماً من نوايا إسرائيل ومساعيها إلى تحويل الحرب إلى حرب إقليمية بمشاركة دول الخليج كافة.
- السياق الأوسع: من "أرض الصومال" إلى استراتيجية "الطوق على الطوق":
يندرج الاهتمام الإسرائيلي بأرض الصومال ضمن رؤية أوسع للتدخل في أفريقيا، حيث يشكل القرن الأفريقي بوابة هذه الاستراتيجية، فضلاً عن كونه أساساً لاستراتيجية "الطوق على الطوق"؛ أي الطوق غير العربي وغير الإسلامي على مصر ودول شمال أفريقيا. وهي استراتيجية قديمة تعود عشرات السنين إلى الوراء، لكن الجديد فيها أنها تندرج اليوم في استراتيجية إسرائيلية أوسع، قوامها إقامة الأحلاف مع الدول المحيطة بالمنطقة العربية وتركيا، على أساس شراكاتٍ استراتيجية تمتد من الهند شرقاً، ضمن "حلف الأقوياء" بحسب تعبير نتنياهو، إلى قبرص واليونان، تضاف إليها العلاقة الأمنية المتميزة مع أذربيجان شمال إيران.

مصدر الصورة


وفي المقابل، فإن الهيمنة الإسرائيلية، مدعومة بحضورٍ أمريكي قوي، إذا أُضيفت إليها العلاقة مع دولة جنوب السودان، تشكل روافع كبيرة لمزيد من الضغط على مصر، وهذه المرة عبر مياه النيل، في سعيٍ إلى التدخل في ملف سد النهضة الإثيوبي والتوترات التي خلقها بين مصر وإثيوبيا. أما مصر وتركيا فتراهنان، في المقابل، على العلاقة مع دولة الصومال في بناء قواتها العسكرية ومرافقها الاقتصادية، مع النظر إلى أرض الصومال (صوماليلاند) بوصفها جزءاً من دولة الصومال.
في الخلاصة؛ تشكّل زيارة رئيس صوماليلاند، وهي الزيارة الرسمية الأولى بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، خلافاً للموقف الدولي والقانون الدولي، مجاهرة بِرِهان كلٍّ من الطرفين على الآخر. فيما انّ فتحُ السفارة في القدس مؤشر إلى أن صوماليلاند تعقد آمالاً على العلاقة مع إسرائيل، وترفع منسوب التوتر مع محيطها الصومالي والأفريقي والعربي والإسلامي، بل تجعل الإقليم الانفصالي، فعلياً، هدفاً محتملاً في أي تصعيد في تلك المنطقة.
لا توجد ضمانات، لا للإقليم ولا لإسرائيل ، بأن هذه العلاقة، بما توفره من نفوذ إسرائيلي في البحر الأحمر وباب المندب، ستكون قادرة على تحقيق أي من الأهداف بأبعادها السياسية والأمنية؛ بل قد تدفع البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى مزيدٍ من التوتر الذي تدفع ثمنه دول المنطقة حال انفجاره. بينما الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بصوماليلاند هو، في جانب منه، اعتراف ضمني بتراجع وضع إسرائيل سياسياً ودبلوماسياً، وهو ما يدفع حكومة نتنياهو إلى تحدي الموقف الدولي من الإقليم.
من المحتمل أن تؤدي زيارة رئيس إقليم أرض الصومال إلى إسرائيل إلى زيادة عزلة البلدين معاً، وأن تكون مبعثاً لتصعيد التوتر في البحر الأحمر والدول المحيطة.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا