آخر الأخبار

المختص في الشأن الإسرائيلي د. حسن لافي لـبكرا: اختزال مستقبل غزة في ملف السلاح تبسيط مخلّ لأزمة سياسية أعمق

شارك
Photo by Abed Rahim Khatib/Flash90

قال المختص في الشأن الإسرائيلي د. حسن لافي، في حديث لموقع بكرا، إن النقاش الدائر حول مستقبل غزة بعد الحرب بات يُختزل في ملف واحد هو سلاح الفصائل، وكأن إعادة إعمار القطاع، وإنهاء الحرب، وإدارة شؤونه، وترتيبات اليوم التالي، كلها قضايا تدور حول هذا العنوان وحده.

وأوضح لافي أن هذا الاختزال يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن أي نقاش حول السلاح يبقى ناقصًا ما لم يكن جزءًا من مسار سياسي وإداري وأمني واضح، يقود غزة إلى مرحلة ما بعد الحرب. وقال: "السلاح لا يُسلَّم إلى فراغ، ولا يمكن لأي قوة أن تتخلى عن أوراقها الأخيرة قبل أن تعرف من هي الجهة التي ستتولى إدارة المرحلة التالية".

وأضاف أن السؤال المركزي منذ بداية النقاش كان: من هي الجهة التي ستستلم غزة؟ فإذا كانت هناك لجنة وطنية إدارية تتولى إدارة القطاع، وقوة دولية للاستقرار تواكب عملية الانتقال ضمن إطار مجلس السلام، فإن الملفات الأمنية، بما فيها السلاح، تصبح جزءًا من عملية سياسية واضحة. أما مطالبة طرف بالتخلي عن أوراقه بينما لا تزال الإدارة البديلة غائبة، والترتيبات الأمنية غير مكتملة، واليوم التالي غير محسوم، فهي مطالبة تفتح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات.

جولة المفاوضات في القاهرة

وتطرق لافي إلى الجدل الذي دار في الجولة الأخيرة في القاهرة حول ما سُمّي بـ"تحييد" أو "حصر" البنية التحتية، مؤكدًا أن الخلاف لم يكن بالضرورة حول إزالة الأنفاق أو الورش العسكرية أو معالجة ما تبقى منها، بل حول محاولة تحويل مصطلح غامض وغير محدد إلى التزام سياسي مفتوح على كل الاحتمالات. وقال إن "المشكلة ليست في معالجة البنية العسكرية المتبقية، بل في إبقاء المصطلح بلا تعريف واضح، بما يسمح للطرف الأقوى بفرض تفسيره وتحويله إلى أداة ضغط دائمة".

وأشار إلى أن هذا الغموض قد يُستخدم لاحقًا ذريعة لتعطيل الإعمار، أو تأخير الانسحاب، أو فرض شروط جديدة كلما اقتضت المصلحة السياسية الإسرائيلية ذلك. ولفت إلى أن الواقع الميداني في غزة يجعل هذا الملف أقل تعقيدًا مما يُصوَّر، في ظل الدمار الواسع والسيطرة الإسرائيلية المباشرة على مناطق واسعة. فعندما تدخل اللجنة الإدارية لتتسلم المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، تصبح هي الجهة صاحبة القرار القانوني والإداري، وتغدو أي أعمال هندسية أو مسوحات ميدانية أو معالجة لما تبقى تحت الأرض جزءًا من عملية الإعمار وإعادة التخطيط، لا شرطًا يسبقها ويعطلها.

وأكد لافي أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في ملف السلاح أو البنية العسكرية، بل في غياب مقومات المرحلة المقبلة. وتساءل: كيف يمكن للجنة وطنية أن تدخل غزة بينما قوة الاستقرار الدولية التي يفترض أن تسبقها لم تُشكَّل بعد؟ وكيف يمكنها إدارة القطاع قبل استكمال ترتيبات بناء القوة الشرطية الفلسطينية؟ وكيف يمكن الحديث عن هذه القوة فيما لم تسمح إسرائيل حتى الآن بخروج العديد من المرشحين للتدريب والتأهيل؟

مسألة الأعمار

وأضاف أن أسئلة الإعمار لا تزال مفتوحة أيضًا: أين التمويل الحقيقي؟ أين الالتزامات الدولية الملزمة؟ أين التصور التنفيذي لإعادة تشغيل الخدمات والمؤسسات والاقتصاد؟ ومن سيتعامل مع الجماعات المسلحة التي ظهرت خلال الحرب بدعم إسرائيلي؟ ومن سيتولى ضبط المرحلة الانتقالية بكل تعقيداتها الأمنية والاجتماعية؟

وقال لافي إن هذه الأسئلة ليست تفاصيل جانبية، بل هي جوهر النقاش كله، لأنها تتعلق باليوم التالي للحرب لا باليوم الأخير منها، وبمستقبل غزة ككيان قابل للحياة لا بمجرد ترتيبات أمنية مؤقتة.

وشدد على أن دخول اللجنة الوطنية الإدارية وانتشار قوة دولية للاستقرار يمثلان الحدث السياسي الأهم في المرحلة المقبلة، لأنهما يشكلان إعلانًا عمليًا عن انتهاء مرحلة الحرب وبداية مرحلة السياسة. واعتبر أن وجود إدارة فلسطينية فاعلة على الأرض، ومؤسسات تبدأ بالعمل، ومساعدات يمكن أن تتدفق، وإعمار يمكن أن ينطلق، يشكل أول ضربة فعلية للمشروع الإسرائيلي القائم على إبقاء غزة في حالة فراغ دائم: فراغ في السلطة، وفراغ في الإدارة، وفراغ في المسؤولية.

وأضاف أن قيام واقع إداري وسياسي جديد على الأرض سيحوّل بقية الملفات، بما فيها ملف السلاح، إلى ملفات قابلة للمعالجة ضمن مؤسسات شرعية ومسار سياسي واضح. أما حسم ملف السلاح قبل بناء هذا الواقع، بحسب لافي، فهو قلب لترتيب الأحداث، لأن بناء السلطة والاستقرار هو الذي يخلق البيئة اللازمة لمعالجة القضايا الأمنية، وليس العكس.

موقع رئيس الحكومة الإسرائيلية

وتوقف لافي عند موقع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في هذه المعادلة، متسائلًا عما إذا كان يملك أصلًا القدرة السياسية على تقديم حل لغزة في هذا التوقيت. وقال إن نتنياهو يتحرك داخل بيئة إسرائيلية شديدة الحساسية، تتداخل فيها حسابات بقائه السياسي مع تماسك ائتلافه الحاكم واستحقاقات الانتخابات المقبلة. وفي هذا المناخ، تصبح أي تسوية حقيقية لغزة عبئًا سياسيًا أكثر منها فرصة، لأنها تتطلب الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى منطق صناعة حل لها.

وأضاف أن التعثر لا يرتبط فقط بالخلافات حول تفاصيل التفاوض، بل أيضًا بغياب قرار إسرائيلي مستعد لدفع الثمن السياسي المطلوب لإنهاء الحرب وفتح مسار جديد في غزة.

كما أشار لافي إلى الدور الأمريكي، معتبرًا أن الحراك السياسي والتفاوضي الدائر منذ أشهر يتحرك في الأساس ضمن الإطار الذي طرحته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي حظي لاحقًا بدعم دولي عبر قرار مجلس الأمن 2803. وقال إن السؤال هنا هو: إلى أي مدى تملك واشنطن الإرادة لممارسة ضغط فعلي على إسرائيل لإنجاح هذا المسار؟

وأوضح أن أهمية هذا السؤال تزداد في ظل انشغال الإدارة الأمريكية بملفات إقليمية أكثر إلحاحًا من وجهة نظرها، وفي مقدمتها الملف الإيراني والجبهة اللبنانية. واعتبر أن واشنطن لا تبدو مستعدة، حتى الآن، للدخول في مواجهة سياسية مع نتنياهو حول غزة، خصوصًا في ظل إدراكها لحساسية موقعه الداخلي وتعقيدات المشهد السياسي الإسرائيلي.

وقال لافي إن جزءًا من التماهي الأمريكي مع الموقف الإسرائيلي في الجولات الأخيرة، خصوصًا في ملف السلاح، يمكن فهمه من هذه الزاوية. فبدلًا من الضغط لتوفير الضمانات السياسية والإدارية المطلوبة لليوم التالي، بدا التركيز منصبًا على المطالب الأمنية الإسرائيلية باعتبارها المدخل الأول لأي تفاهم محتمل.

غياب الضمانات

وختم لافي بالقول إن المشكلة الحقيقية اليوم ليست في حجم المرونة التي أبدتها الفصائل، بل في غياب الضمانات التي تمنح هذه المرونة معنى سياسيًا. وأضاف: "هناك فرق بين سلاح يُسلَّم ضمن مشروع ينهي الحرب ويعيد بناء غزة ويؤسس لحكم مستقر، وبين سلاح يُسلَّم فيما لا تزال أسئلة الإدارة والأمن والإعمار والتمويل معلقة بلا إجابات واضحة".

وأكد أن المعادلة واضحة: إذا كان المقابل هو إنهاء الحرب، وبدء الإعمار، وقيام إدارة فلسطينية فاعلة، وانتشار قوة دولية للاستقرار، وكسر مشروع الفراغ والتهجير، فإن ملف السلاح يصبح جزءًا من الحل. أما إذا كان المطلوب هو السلاح أولًا، بينما تبقى بقية الاستحقاقات رهينة الوعود والاحتمالات، فإن الأمر لا يتعلق باستعادة الحياة في غزة بقدر ما يتعلق بإدارة الحرب بصيغة جديدة.

وختم بالقول إن اختزال مستقبل غزة في ملف السلاح وحده هو تبسيط مخلّ لأزمة أكثر تعقيدًا، لأن القضية لم تعد تتعلق فقط بما تملكه الفصائل أو بما قد تتخلى عنه، بل بوجود مسار سياسي حقيقي ينقل القطاع من الحرب إلى الاستقرار. وعندما تتوفر الإدارة الفاعلة، والضمانات اللازمة، والإعمار، والاستقرار، يصبح لكل الملفات الأخرى طريقها إلى الحل.

بكرا المصدر: بكرا
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا